عقدت مؤسسة ديفاكتو الحوارية جلسة نقاش موسعة يوم السبت في مدينة عفرين تحت عنوان: “التحوّل والتحديات”، جمعت ممثلين عن منظمات مدنية ووجهاء محليين وأفرادًا من المجتمع المحلي، إلى جانب عدد من العائدين إلى المنطقة. وقد شكّلت الجلسة محطة جديدة في سلسلة النقاشات المجتمعية التي تحاول مقاربة ملف عودة المهجّرين، وهو من أكثر الملفات تعقيدًا في شمال غرب سوريا.
وخلال النقاش، برزت التحديات الإدارية بوصفها إحدى أبرز العقبات أمام العائدين، في ظل تشتت المرجعيات وضعف الخدمات الأساسية، ما يجعل عملية الاندماج وإعادة الاستقرار أكثر صعوبة. كما طُرحت الصعوبات الاقتصادية التي تتجلى في محدودية فرص العمل وغياب الاستثمارات القادرة على تحريك عجلة السوق المحلي، الأمر الذي ينعكس مباشرة على قدرة العائلات على اتخاذ قرار العودة.
أما الجانب الأمني، فقد شكّل محورًا رئيسيًا في النقاش، إذ أشار المشاركون إلى أن الهواجس الأمنية ما تزال تلعب دورًا حاسمًا في تحديد مصير العودة، سواء بسبب انتشار السلاح أو غياب منظومة قضائية فاعلة تضمن حقوق السكان.
وفي محاولة لصياغة رؤية مشتركة، خلصت الجلسة إلى مجموعة من الأفكار التي يمكن أن تشكّل أساسًا لبيئة أكثر استقرارًا. فقد شدد المشاركون على ضرورة بناء أرضية مشتركة ترتكز على هوية جامعة، بما يخفف من التوترات بين المقيمين والعائدين. كما طُرحت الحاجة إلى مواجهة خطاب الكراهية وإزالة الصور النمطية التي تراكمت خلال سنوات النزاع، إلى جانب التأكيد على أهمية احترام الخصوصية الثقافية لمكونات المنطقة وتكريسها ضمن أطر قانونية واضحة.
كما برزت الحاجة إلى آليات قانونية فعّالة تتيح للعائدين استعادة ممتلكاتهم، وتفعيل برامج جبر الضرر والتعويض المادي والمعنوي، في وقت شدد فيه المشاركون على أن أي تقدم في ملف العودة يتطلب إرادة سياسية قادرة على فرض الأمن وسحب مظاهر السلاح من المدينة.
وتطرقت الجلسة أيضًا إلى ضرورة إصلاح المؤسسات القضائية وتعديل القوانين المتعلقة بالملكية، خصوصًا في المناطق الحدودية التي شهدت تغييرات واسعة خلال سنوات النزاع. كما أعاد المشاركون التذكير بملف المفقودين والمعتقلين، معتبرين أن كشف مصيرهم يشكل خطوة أساسية في بناء الثقة بين السكان والجهات المسيطرة.
وفي الجانب الاقتصادي، برزت الدعوة إلى تشجيع الاستثمارات باعتبارها مدخلًا رئيسيًا لخلق فرص عمل جديدة، وهو ما قد يسهم في تعزيز استقرار العائدين ويمنحهم حافزًا إضافيًا للعودة والاستقرار.
وبينما لا تزال عفرين تواجه تحديات معقدة على المستويات الأمنية والخدمية والاجتماعية، ستواصل مؤسسة ديفاكتو عقد سلسلة من الحوارات الاختصاصية على الصعيد الحقوقي والتعليمي والاقتصادي والاداري في محاولة محلية لصياغة مقاربة واقعية لترسيخ الاستقرار في المنطقة، في انتظار التقدم والتطور في الظروف السياسية والأمنية التي يمكن أن تجعل هذه المقترحات قابلة للتطبيق على الأرض.
وستنشر ديفاكتو لاحقا التوصيات التي خرجت عن هذه الجلسة.

