مع حلول العام الجديد، وفي ظل التطورات الميدانية المتسارعة في سوريا، ولا سيما ما شهدته مدينة حلب من تصعيد أمني بين الفصائل التابعة لوزارة الدفاع وقوى الأمن الداخلي (الأسايش) في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، عاد الحديث مجدداً إلى الواجهة حول فشل اتفاقية العاشر من آذار/مارس الموقّعة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). وقد تحوّل هذا الاتفاق إلى محور جدل واسع في الساحة السورية، في ظل تبادل الاتهامات بين الطرفين بشأن تعطيل تنفيذ بنوده والتباطؤ في تطبيقها.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الساحة السورية توترات موازية، تتمثل باستمرار المناوشات بين الفصائل الدرزية والقوات الحكومية في الجنوب السوري، إلى جانب المظاهرات التي خرجت في الساحل السوري احتجاجاً على أداء الحكومة المؤقتة، والمطالبة بنموذج حكم لامركزي يضمن حقوق المكونات المحلية في إدارة شؤونها ضمن سوريا المستقبل.
بالتوازي مع ذلك، تتزايد الضغوط الإقليمية والدولية على كل من دمشق وقسد للدفع نحو التوصل إلى اتفاق سياسي شامل وحل سلمي مستدام، إلا أن مسار المفاوضات لا يزال متعثراً. ويمكن النظر إلى ما يجري حالياً من مفاوضات بين قسد والحكومة المؤقتة بوصفه أحد المسارات المفصلية في إعادة رسم ملامح الدولة السورية المقبلة.
وفي ظل تضارب الأنباء بشأن موعد انعقاد اجتماع جديد في دمشق، أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن الحكومة السورية تسلمت رداً رسمياً من قوات سوريا الديمقراطية، وأن هذا الرد يخضع حالياً للدراسة والتقييم.
خطوات ناجحة
على الرغم من حدة الاتهامات المتبادلة بين الطرفين، إلا أنه يمكن رصد عدد من الخطوات التي يمكن وصفها بالناجحة في إطار هذه الاتفاقية. فقد أسهمت، إلى حدٍّ ما، في وقف نزيف الدم على امتداد الجغرافيا السورية، ولم تقتصر أهميتها على تجنّب مواجهة مباشرة بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية المؤقتة فحسب.
وجاء توقيع الاتفاق في مرحلة حساسة، تزامنت مع تحوّل الانتهاكات المرتبطة بملاحقة فلول النظام السابق في الساحل السوري إلى مجازر عشوائية، إضافة إلى تصاعد خطير في وتيرة الاشتباكات بين فصائل “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا وقوات سوريا الديمقراطية، خصوصاً في مدينة حلب، ما كان ينذر بانفجار مواجهة واسعة أو حتى حرب أهلية شاملة لا يستطيع أي طرف سوري أو دولي تحمّل تبعاتها.
ورغم تسجيل بعض الخروقات والمناوشات المحدودة بين الحين والآخر، إلا أن بند وقف إطلاق النار جرى تطبيقه عملياً. كما أُعلن، عقب توقيع الاتفاق، عن التوصل إلى تفاهم خاص بشأن حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، من خلال اتفاقية الأول من نيسان/أبريل، التي نصّت على تنظيم الوضع الأمني في الحيين ذوي الغالبية السكانية الكردية، ووقف الأعمال القتالية، والتنسيق مع قوى الأمن الداخلي (الأسايش) لتولي مهام حفظ الأمن بعد انسحاب القوات العسكرية التابعة لـ”قسد”، إضافة إلى فتح الطرق والمعابر، وضمان حماية المدنيين، ومنع أي تغيير في خطوط السيطرة.
كما توصل الطرفان إلى تفاهمات أولية تتعلق بآليات دمج المؤسسات العسكرية والمدنية، بوساطة أميركية، شملت تشكيل فرق وألوية خاصة، مع بحث تغيير اسم “قوات سوريا الديمقراطية”، والتوافق على صيغة مناسبة لإدارة أمن الحدود والمعابر.
إشكالية التوقيت
يبرز الخلاف الأساسي بين الطرفين في تفسير مسألة التوقيت المرتبطة بتنفيذ كامل بنود الاتفاق، والتي تنص على “سعي” اللجان التنفيذية إلى تطبيق الاتفاق قبل نهاية العام الجاري.
وفي هذا السياق، صرّح قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، بأن بعض الملفات “تتطلب مزيداً من الوقت”، دون تحديد جدول زمني واضح لإنهائها أو الإشارة إلى العودة للخيار العسكري، مؤكداً أن وقف إطلاق النار غير مرتبط بموعد نهاية العام، وأن الجهود الرامية إلى تنفيذ الاتفاق ستستمر بدعم من أطراف محلية وإقليمية ودولية حريصة على إنجاحه.
في المقابل، جاء رد الحكومة السورية على لسان مستشار الرئيس للشؤون الإعلامية، أحمد موفق زيدان، الذي كتب على منصة “إكس” أن “الخيارات مع قسد باتت محدودة”، وأن الأخيرة “تتحمل مسؤولية عدم التزامها بما وقّعت عليه”.
وعلى الرغم من هذا التباين في الخطاب، يبدو أن خيار الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة لا يزال مستبعداً، في ظل توقعات بتمديد غير معلن لمهلة التنفيذ، وربما التوصل إلى اتفاقيات أمنية وعسكرية مرحلية تفتح المجال أمام حلول سياسية أوسع، لا سيما في ظل حرص الأطراف المحلية والدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، على عدم انهيار الاتفاق.
غموض رؤية الحكومة السورية
تستمر الاتهامات المتبادلة بين الطرفين بشأن تعطيل تنفيذ الاتفاق، إلا أن العبء الأكبر من المسؤولية يقع، وفق هذا المنظور، على حكومة دمشق، التي تتعامل مع قسد بمنطق الندية السياسية، وتحول معظم الملفات التفاوضية إلى أوراق ضغط بهدف انتزاع تنازلات عسكرية.
وفي هذا الإطار، تشير القيادية في لجنة المفاوضات، فوزة يوسف، إلى أن الحكومة لم تطبّق البنود المتعلقة بضمان حقوق الشعب الكردي في الدستور، كما لم تُحرز أي تقدم في ملف عودة المهجّرين من رأس العين وعفرين إلى مناطقهم.
وتطالب الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بإجراء تعديلات دستورية كخطوة أولية ضمن إجراءات بناء الثقة، إلا أن مواقف الحكومة السورية في هذا الشأن لا تزال غير واضحة، في حين ينصب تركيزها بشكل أساسي على الجوانب العسكرية والأمنية.
وتتمحور مطالب الإدارة الذاتية حول نموذج من اللامركزية الإدارية والسياسية يضمن الحقوق دستورياً، إذ يكمن الخلاف الجوهري في شكل الحوكمة، وحدود الصلاحيات المحلية، ومستوى مشاركة الإدارات المحلية في صنع القرار المركزي في دمشق.
وبحسب متابعة مؤسسة “ديفاكتو للحوار” لمسار التفاوض، فإن غياب خارطة طريق واضحة وآليات تفاوض محددة يشكل أحد أبرز الإشكاليات، حيث تركز قسد على تشكيل لجان تقنية مشتركة لتحديد آليات دمج المؤسسات الإدارية وصلاحياتها، في حين تفسر الحكومة مفهوم “الاندماج” على أنه ربط مباشر لمؤسسات شمال شرق سوريا بالوزارات المركزية في دمشق، دون تحديد واضح لصلاحيات الإدارات المحلية.
عمليات عسكرية محدودة
تشير المعطيات الميدانية في مناطق التماس الحساسة بين قوات سوريا الديمقراطية وحكومة دمشق إلى أن المناوشات العسكرية المحدودة مرشحة للاستمرار، بالتوازي مع تصاعد السجال السياسي والإعلامي بين الطرفين، في سياق تبادل الضغوط والتنازلات. غير أن هذه الاشتباكات لا يُتوقع أن تتطور إلى مواجهة شاملة، في ظل الجهود الأميركية المستمرة للحفاظ على مسار الاتفاق.
الدور التركي
تسعى تركيا إلى ربط ملف شمال شرق سوريا بمسار المفاوضات الجارية في الداخل التركي مع حزب العمال الكردستاني، بما يضمن عدم ارتفاع سقف المطالب الكردية في سوريا، تفادياً لانعكاس ذلك على الداخل التركي. وفي المقابل، تحاول أنقرة مواءمة أي تقدم في مفاوضات قسد مع دمشق مع مسار حوارها مع حزب العمال الكردستاني، وربما تأجيل الحسم في الملف السوري إلى ما بعد التوصل إلى تفاهم مع عبد الله أوجلان، نظراً لتأثيره على الأكراد في سوريا.
وعلى الرغم من الخطاب التصعيدي التركي الذي يربط قسد بحزب العمال الكردستاني، تشير الوقائع إلى وجود تفاهم ضمني يقضي بحصر حل ملف قسد في الإطار السوري، بعيداً عن الصراع الداخلي التركي. كما تُظهر تركيا قدراً من المرونة تجاه قسد، في ظل تقارير عن قنوات تواصل مباشرة بين الطرفين لتفادي أي صدام عسكري عابر للحدود، خاصة في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، قال مظلوم عبدي: “بالمقارنة مع السابق، تجاوزنا بعض العوائق المتعلقة بالجانب التركي، ونحن حريصون على أن تكون تركيا جزءاً من هذا الحوار، وليس طرفاً معارضاً له. نحن في وضع أفضل”.
ومع ذلك، يُتوقع استمرار السياق التصعيدي، بما يشمل تعزيزات عسكرية، واستطلاعات جوية، وتحريك الفصائل التابعة لتركيا، ولا سيما “الجيش الوطني السوري”. إذ تخشى أنقرة أن يؤدي أي اتفاق بين دمشق وقسد إلى تقليص نفوذها الإقليمي في سوريا، وتسعى بالتالي إلى ممارسة ضغوط على الطرفين لإفشال أي تفاهم قد يحد من دورها في الشمال السوري.
السيناريوهات المحتملة
تفيد التقارير بأن قوات سوريا الديمقراطية قد تُدمج ضمن الجيش السوري عبر تشكيل عدة فرق وألوية، من بينها لواء يضم وحدات حماية المرأة، وبموافقة مبدئية من دمشق وبرعاية أميركية، مع تغيير في التسمية. إلا أن آليات التنفيذ لا تزال غامضة، وتبقى هذه التفاصيل قيد البحث في جولات التفاوض المرتقبة.
ويُعد سيناريو المواجهة الشاملة مستبعداً، نظراً لما قد يحمله من كلفة مدمّرة للطرفين، واحتمال تحوّله إلى حرب أهلية واسعة، في وقت لا تزال فيه قسد تحتفظ بثقلها الأمني والشعبي في حلب، بينما تشهد مناطق الساحل والسويداء حالة من عدم الاستقرار، وعدم قدرة الحكومة على فرض سيطرتها الكاملة.
كما يبرز خطر استغلال أطراف إقليمية، مثل إيران، لحالة الفراغ الأمني في الساحل السوري، إلى جانب عودة نشاط خلايا تنظيم “داعش” التي قد تستفيد من الفوضى لإعادة تنظيم صفوفها في المناطق الشرقية وحتى في محيط العاصمة دمشق.
وعليه، يبدو أن خيار تمديد المهلة وإدارة الأزمة هو السيناريو الأكثر واقعية، عبر إبرام اتفاقيات أمنية ميدانية، والانفتاح على مقترحات قسد بالاندماج ضمن وزارة الدفاع من خلال ألوية محلية، والمشاركة في قرار السلم والحرب عبر هيئة الأركان، إلى جانب توسيع التعاون الاقتصادي في ملفات النفط والمعابر الحدودية، وإيجاد صيغة محدودة لسلطة دمشق في شمال شرق سوريا كإجراءات لبناء الثقة، تمهيداً للانتقال إلى القضايا السياسية والإدارية الأكثر تعقيداً.
وفي هذا الإطار، يمكن توصيف المرحلة الراهنة بأنها مرحلة “إدارة وقت” أكثر من كونها مرحلة حسم، مع ترجيح اللجوء إلى تمديد غير معلن أو إعادة صياغة الجدول الزمني للمفاوضات، بانتظار ظروف سياسية أكثر ملاءمة.
غير أن المخاطر تبقى قائمة، خصوصاً في ظل إصرار تركيا على ربط ملف شمال شرق سوريا بالداخل التركي، واستمرار أطماعها في الساحة السورية، إضافة إلى إصرار دمشق على خيار الدمج دون تقديم ضمانات دستورية، ما قد يفضي إلى استمرار الوضع القائم، أو إلى تصعيد تركي محدود يأخذ شكل عمليات عسكرية أو ضربات مركزة تستهدف البنية التحتية في شمال شرق سوريا.
إجراءات بناء الثقة
تتعامل قوات سوريا الديمقراطية بحذر مع دمشق، في ظل غياب رؤية واضحة لدى الحكومة بشأن مسار التفاوض، وآليات الاندماج، والتغيير الدستوري، وبناء مؤسسات الدولة، ولا سيما الأمنية والعسكرية. ويعزز هذا الحذر ما شهدته سوريا من أعمال عنف طائفي واسعة، استهدفت العلويين في اللاذقية، ثم الدروز في السويداء.
وبالعودة إلى بنود الاتفاق، لم تقدم حكومة دمشق خطوات ملموسة لبناء الثقة، لا سيما في الملفات الإنسانية والتقنية، مثل ضمان عودة جميع المهجّرين السوريين إلى مناطقهم وتأمين حمايتهم. إذ لا تزال فصائل “الجيش الوطني السوري” تسيطر على مناطق في رأس العين وعفرين، وتُتهم بارتكاب انتهاكات تعيق عودة السكان، فضلاً عن استمرار قطع المياه عن مدينة الحسكة.
وفي الوقت ذاته، يتصاعد خطاب الكراهية عبر المنصات الرسمية التابعة للحكومة وبعض المسؤولين، موجهاً ضد المكونات السورية عموماً، وسكان شمال شرق البلاد على وجه الخصوص.
الخلاصة
تدرك حكومة دمشق الانتقالية أن أي فراغ سياسي أو أمني قد يشكل تهديداً بالغ الخطورة، وهو ما يفسر إبداء قدر من المرونة تجاه قوات سوريا الديمقراطية، تفرضه معطيات الواقع.
وتبقى احتمالات الانفراج السياسي هي الأبرز، في وقت يُتوقع فيه استمرار مرحلة “كسر العظم” ميدانياً وإعلامياً. غير أن الاتفاق والتنسيق الأمني المباشر بين الطرفين يبدوان خياراً لا غنى عنه في المرحلة الراهنة.
ويكتسب الدور الأميركي أهمية خاصة، في ظل دعمه لاندماج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش السوري مع الحفاظ على هياكلها القيادية، بدلاً من تفكيكها ودمجها على مستوى الأفراد، باعتباره أحد الضمانات الأساسية لاستقرار هذا المسار.

