حكيم أحمد
عاد التصعيد العسكري بين قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، خلال أيلول/ سبتمبر الفائت، في عدة مواقع بمدينة حلب وريفها وريف دير الزور بالتزامن مع تعثّر واضح في الحوارات بين الجانبين على أساس تفاهمات سابقة مدعومة دولياً.
ويستمر كل من الجانبين في تقديم تفسيرات مختلفة لوحدة سوريا وهويتها الجامعة لكل السوريين، وكذلك تدابير بناء الدولة والعدالة والسلام والتنمية بشكل يغيّر مسار السياسات الداخلية بشكل مختلف عما اتبعه النظام السابق.
وفي الأسابيع القليلة الماضية وفي ظل غياب التفاهم، استمرت خطوات أحادية الجانب، سواء في اللقاءات الدولية المنفردة لكل طرف أو في الحوارات الداخلية والإجراءات المؤثرة في مستقبل السوريين كالتحضير للانتخابات البرلمانية واستمرار انقطاع التنسيق بين الطرفين فيما يخص ملفات بناء الجيش ومعتقلات عناصر تنظيم “داعش” وملفات التعليم وإدارة الموارد المختلفة.
ورغم أن المواجهات العسكرية لا تزال محدودة بمواقع معينة، إلا أن ذلك ينذر بمخاطر تصعيد عسكري أوسع قد يهدد استقرار مناطق مختلفة في البلاد، وسط تبادل الاتهامات بين الجانبين حول من يتحمّل مسؤولية تعثّر التفاهمات.
محطات سابقة
ويعدّ اتفاق العاشر من آذار/ مارس 2025 الأساس المرجعي لمسار التفاوض بين الحكومة الانتقالية في دمشق والإدارة الذاتية في الشمال الشرقي، إذ تضمن التفاهم بنوداً عامة أبرزها وقف إطلاق النار على جميع الأراضي السورية والحفاظ على وحدة سوريا ودمج المؤسسات العسكرية والإدارية والاعتراف بحقوق الكرد دستورياً وعودة مهجّري كافة المناطق إلى منازلهم وممتلكاتهم.
ورغم وجود خطوات مشجعة بعد الاتفاق، المدعوم من الأطراف الدولية الفاعلة في سوريا، كالاتفاق على إدارة مشتركة لسد تشرين وفتح الطرق وتسهيل العبور بين المناطق وظهور تنسيق بخصوص بعض الإمدادات النفطية والتفاهم في نيسان أبريل التالي على إدارة أحياء ذات غالبية سكانية كردية في حلب، إلا أن الدمج لم يحدث فعلياً، كما لم يطرأ أي تغيير على الإعلان الدستوري وتشكيلة الوزراء ثم انتخابات البرلمان وهي خطوات مضت الإدارة الانتقالية في العاصمة فيها دون تأثرها بالاتفاق.
وأواخر أبريل، أعلنت الأحزاب الكردية خلال مؤتمر في القامشلي عن رؤية موحدة فيما بينها حول سوريا ديمقراطية لا مركزية تضمن المشاركة والحقوق للكرد وجميع السوريين، ورغم أهمية المؤتمر من جهة التفاهم بين الأحزاب الكردية المختلفة، رفضت الحكومة العناوين الصادرة عنه لا سيما اللامركزية وانتقدت حضور ممثلين عن أطراف كردية في العراق وتركيا.
وجاءت أحداث السويداء لتزيد المخاوف بين الجانبين، إذ تزعم الحكومة أن كل طرح يتضمن اللامركزية هو دفع باتجاه الانفصال، بينما تعتقد الإدارة الذاتية أن الانتهاكات في الساحل والسويداء كانت مؤشراً على أن الحكومة الانتقالية بعيدة عن قبول التشاركية ضمن هوية وطنية شاملة.
وفي آب/ أغسطس، أقامت الإدارة الذاتية مؤتمراً آخر في مدينة الحسكة حضره ممثلون عن الكرد والعرب والمسيحيين في شمال وشرق سوريا، واستضاف المؤتمر كلمتين لممثل عن العلويين وآخر عن الدروز، ما تسبب برفض الحكومة مجدداً وردها بإلغاء جولة تفاوضية مع قوات سوريا الديمقراطية كانت مقررة في العاصمة الفرنسية باريس.
وخلال الأشهر التي أعقبت اتفاق العاشر من مارس تراجعت الاتهامات المتبادلة من الجانبين نسبياً رغم عقد اجتماعين فقط بين اللجان المفاوضة، إلا أن التصعيد الإعلامي كان يعود للواجهة مع الخطوات الأحادية وغياب التنسيق بين الطرفين.
الحكومة والقبضة المركزية
تعتبر الحكومة الانتقالية أي حديث عن اللامركزية أو الفيدرالية أو أي خصوصية سياسية أو عسكرية هي مشروع للانفصال عن البلاد، ورغم تفضيلها الحلول الدبلوماسية ترى أن من حقها اللجوء للهجوم العسكري، والتنسيق مع تركيا لهذا الغرض.
وتبدي الحكومة استعدادها لتلبية حقوق ثقافية للكرد السوريين، لكن على قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية حل هيكليتيهما وترك قيادة الجيش والأمن وإدارة المؤسسات والموارد للحكومة في دمشق.
ويذكّر كبار مسؤولي السلطات الحكومية عادة بنهاية العام وهو الموعد المقرر لدمج مؤسسات الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية في منطقة شمال وشرق سوريا مع حكومة المرحلة الانتقالية.
ولا شك في أن تركيا تمارس ضغوطاً كبيرة على الحكومة لرفض المطالب التي يطرحها الكرد أو الإدارة الذاتية حول اللامركزية والمحافظة على خصوصية خلال ربط القوات والمؤسسات بالحكومة المركزية.
وتشدد الحكومة على اعتماد النظام المركزي تحت عنوان دولة المواطنة، وتذكّر أنها ليست ضد حقوق الكرد، في حين تشير أطراف أخرى أن اعتماد ذلك يستوجب قدراً كبيراً من التشاركية ونبذ كل أشكال الإقصاء الممارس خلال وضع الإعلان الدستوري وتشكيل الجيش والحكومة والبرلمان وتصحيح كل ذلك.
قسد واللامركزية
وترى قوات سوريا الديمقراطية أن على دمشق اتخاذ موقف واضح من تمثيل التنوع السوري والقضايا الديمقراطية واستهداف المكونات لتقديم هوية جامعة للسوريين، بالإضافة لضمان عودة آمنة للمهجرين إلى مناطقهم، وترفض الاندماج غير المشروط بصيغة التسليم أو إلغاء كل ما حققته في مواجهة تنظيم “داعش”.
وتصدر عنوان اللامركزية مؤتمري الأحزاب الكردية في القامشلي ومكونات شمال وشرق سوريا في الحسكة، وتكرر ذكرها كعنوان للحل على لسان مسؤولي قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في تصريحاتهم، بالإضافة إلى قوى سياسية ومدنية سورية أخرى.
ويؤكد مسؤولو قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية تمسكهم بوحدة البلاد وعدم وجود أي مشاريع انفصالية، وموافقتهم على منح القضايا السيادية كالمعابر والتمثيل الخارجي والجيش لدمشق، لكنهم يركّزون على ضمانات لعدم التنازل عن مكتسبات سابقة كالتعلم باللغة الأم وحقوق المرأة وتمثيل التنوع الموجود في سوريا، ويعتقدون أن ذلك يتحقق بشكل من اللامركزية في الحكم التي ستحل مشكلات حساسة في العديد من المناطق السورية.
الدعم الدولي للتفاهمات
أمام واقع تقديم التفسيرات المختلفة للقضايا الحساسة وكذلك تبادل الاتهامات، تبرز ضرورة وجود جهات دولية راعية للمفاوضات وتحديد تفاصيل توحيد البلاد والبرامج الزمنية لتحقيق ذلك.
كانت الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا الداعمتان الرئيستان لاتفاق العاشر من مارس، وتراوح الموقف الأميركي فيما بعد بين تصريحات للمبعوث الأميركي توماس باراك حمّل فيها “قسد” مسؤولية تعثّر المفاوضات من جهة، واستمرار دعم البنتاغون لقوات سوريا الديمقراطية ثم إعلان باراك نفسه توقع نشوء حكومة شاملة في سوريا نهاية العام الحالي 2025 من جهة أخرى.
وتشدد كل من الدولتين، الولايات المتحدة وفرنسا، دعمهما لوحدة سوريا عبر مسار التفاوض بين الحكومة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية، حتى بعد تغيير واشنطن بعض ممثليها في المنطقة، وامتناع الحكومة الانتقالية عن حضور جولة تفاوضية في العاصمة الفرنسية.
من جهتها تبدو تركيا المؤثر الأكبر على موقف الحكومة الانتقالية من قوات سوريا الديمقراطية، إذ لم يرى مسؤولو الحكومة السورية ضيراً في التعبير عن عدم رضا تركيا من أطروحات كاللامركزية أو الإدلاء بتصريحات تتضمن التهديد بعمل عسكري، لا سيما أثناء الزيارات المكثفة المتبادلة بين دمشق وأنقرة التي لديها مشروع عملية سلام مع حزب العمال الكردستاني.
ومؤخراً طالبت قوات سوريا الديمقراطية بريطانيا بلعب دور في التفاوض بينها والحكومة الانتقالية، كما صدرت تصريحات متباعدة عن إقليم كردستان العراق حول التعايش بين الكرد والعرب ومستقبل العيش المشترك في سوريا.
لا بديل عن التفاوض
تركزت التوترات العسكرية في محور دير حافر بريف حلب، وتؤكد بيانات قوات سوريا الديمقراطية أنها تحدث نتيجة هجمات تتعرض لها قواتها من مجموعات ضمن القوات الحكومية، وعمدت الحكومة مؤخراً لإغلاق معبر دير حافر رغم أن حركة التنقل طبيعية بين الجانبين في المناطق الأخرى.
لا شك أن غياب الحوار يهدد بتعميق الانقسام الجغرافي والسياسي في البلاد، مع مخاطر اندلاع معارك واشتباكات جديدة، وعرقلة جهود إعادة الإعمار والتنمية وبناء السلام عموماً، بالإضافة لمخاطر التدخلات الخارجية التي تعقّد بعضها الملفات بدل دعم التفاهمات الوطنية.
وتواجه الحكومة مخاطر خروج المنطقة من يدها إذا ما استخدمت القوة كما حدث في السويداء جنوب سوريا، لا سيما مع القوة العسكرية المنظمة لقوات سوريا الديمقراطية والدعم الذي تحظى به من الولايات المتحدة والتحالف الدولي لمحاربة “داعش”.
كما قد تجر الحرب التدخل التركي مجدداً، وهو ما يقوض مكتسبات تفتخر بها قوات سوريا الديمقراطية كحقوق الكرد والسريان وحرية المرأة والنصر على “داعش”.
ويشير ناشطون سوريون لتجارب الدول فيما يخص الأنظمة المركزية أو اللامركزية، وهي تفيد بإمكانية طرح نموذج مناسب للحالة السورية بعيداً عن النظام المركزي الدكتاتوري والأنظمة اللامركزية المتجاوزة للإدارة والرقابة المحلية.
وتسعى الحكومة الانتقالية في دمشق لتعزيز علاقاتها الإقليمية والدولية كممثلة عن البلاد بأسرها، لكنها تتعامل بندية مع قوات سوريا الديمقراطية والأطراف الأخرى المختلفة معها سواء كانت من المكونات والمناطق أم من القوى السياسية والمدنية.
إن غياب رؤية واضحة في الخطاب الرسمي تجاه شكل الحوكمة وهوية سوريا وإشكالية تمثيل المكونات والآليات الديمقراطية لبناء الدولة، يدفع الحكومة للانشغال باللقاءات الخارجية وترك العديد من المسائل الداخلية للوقت، بما فيها الأساسية والإنسانية كعودة المهجرين والنازحين والتعافي الاقتصادي وخدمات التعليم والصحة.
إن عودة التفاوض برعاية دولية محايدة مع قوات سوريا الديمقراطية خاصة وكافة الأطراف والقوى عامة بات ضرورة لا مهرب منها، مع الحاجة لتجميد الخطوات الأحادية التي تعمق الانقسام. ذلك سيساهم في فتح قنوات التواصل أكثر من الفترة السابقة وإبراز المصالح الوطنية في خطاب كل الأطراف بعيداً عن الارتهان لمواقف خارجية أو إقليمية أو التلويح بحل المشكلة عبر المزيد من الصراع الذي أنهك السوريين واستنزف موارد بلادهم منذ أكثر من عقد من الزمان.
