تشاركت منصة ديفاكتو الحوارية وثمان منتديات أخرى، مساء الأحد آب/ أغسطس، في تنظيم ندوة وحوار مفتوح مع الدكتور زيدون الزعبي حول “وحدة البلاد والاستقرار المجتمعي بين المركزية واللامركزية”.
وقدم المُحاضر عرضاً تقديمياً عن مصطلح اللامركزية مع شروحات واضحة وأمثلة غنية عن تجارب الدول في أنحاء العالم، وعمل على تصحيح المغالطات المتداولة حولها، وذلك من خلال ثلاثة محاور رئيسة:
- ما هي اللامركزية والفيدرالية؟ كيف تتقاطعان وتفترقان؟
- هل هما فخ للتقسيم أم آلية للتشاركية؟
- التوازن بين المركزية واللامركزية أسطورة أم منهج لازم في كل جانب من قطاعات وخدمات الدولة؟
شهد الحوار مشاركات واسعة ومتباينة في الآراء والمواقف من خلال المداخلات والأسئلة المباشرة عبر برنامج “زووم” والرسائل والتعليقات على البث المباشر على منصات التواصل الاجتماعي.
وشاركت الجهات المنظمة للحوار البث المباشر على حساباتها، وهي: منصة ديفاكتو الحوارية، ومنتدى المستقبل، ومركز عمران، ومنتدى مسار، ومنتدى مواطنة، ومنتدى الحوار المدني الديمقراطي، وندوة وطن، ومؤسسة لندنار، والمنتدى العربي للتعدد الثقافي في بريطانيا.
الكاتب والباحث السوري زيدون الزعبي هو دكتور في إدارة نظم المعلومات وخبير في مجالات الحوكمة ومستشار لعدد من الهيئات الدولية.
ونوّه مقدما الندوة نورجان سرغايا وعلي الحاج حسين إلى أن العرض التقديمي سيكون متاحاً لاحقاً كفيديو لتعميم فائدة الجهد لذي قام به الدكتور زيدون الزعبي في توضيح مسألة اللامركزية المطروحة في الساحة السورية للوصول لتفاهمات بناء الدولة الجديدة.
تصحيح مغالطات سائدة
في بداية الندوة وخلال إجابته عن الأسئلة أوضح الدكتور زيدون أن العديد من المغالطات السائدة بين السوريين الآن تفنيدها وتصحيحها حتى تعود البلاد موحّدة ومستقرة، ومن أبرزها ما يتعلق بمصطلح اللامركزية وضرورات طرحه وفهمه، ومن أبرز الاقتباسات عن هذه التصحيحات:
- موضوع اللامركزية ليس جديد الطرح في الساحة السورية، كان مطروحاً عقب انطلاقة الثورة السورية عام 2011، وتم طرحه بقوة في أوساط المعارضة والمجتمع المدني منذ العام 2015.
- ليست كل لامركزية أو فيدرالية توجهاً للانفصال وليست كل لامركزية أو فيدرالية حلاً لجميع المشكلات.
- لا يوجد شكل واحد للامركزية في العالم، بعض الدول الأحادية تطبق اللامركزية أكثر من دول أخرى فيدرالية.
- من أسس اللامركزية جيش واحد وكذلك القوات الأمنية والسياسات النقدية والتجارة الخارجية ومنح الجنسية كلها تبقى للمركز.
- لا حاجة ضرورية لوصف اللامركزية بإدارية أو سياسية أو مالية، المهم هو المحتوى الذي يقود لسلطات محلية منتخبة وذات صلاحيات.
- كل دولة استبدادية هي شديدة اللامركزية بالضرورة ولن تسمح للأطراف باتخاذ قرارات.
- اللامركزية لا تكفي لحماية حقوق المكونات، بل هي لحماية المحافظات والأطراف المهمشة ومنحها صلاحية قراراتها التي كانت تصدر من العاصمة.
- يجب ن تبدأ الحوارات اليوم، نحتاج لأحزاب سياسية وتشاركية، لكن الحكم الرشيد لا يتحقق بانتظار مجيء سلطة “جميلة وعظيمة”.
- يجري تأييد اللامركزية أو معارضتها حالياً في سوريا بحسب مواقف مؤدلجة (مع أو ضد).
- شتم السلطات لن يفيد ولا تخوين وشيطنة الآخرين، يجب إطلاق الحوار بين جميع الأطراف.
- الإدارة الذاتية لم تطرح في حواراتها مع الحكومة مسألة لامركزية إثنية ولا فيدرالية من إقليمين، فلماذا نفترض أنها تريد شيء وتتفاوض على آخر.
- نعم السلطات في المنطقة العربية ليست ديمقراطية، لكن يجب ن ننحت في الصخر ولا نتصور أن سويسرا مثلاً حققت ديمقراطيتها فجأة.
نماذج من العالم
تتباين نسب تطبيق اللامركزية في دول العالم بحسب مؤشرات عالمية، ولا تعتمد المؤشرات على تسمية نظام الحكم في الدولة (مركزي أحادي أو لا مركزي أو فيدرالي)، بل على مقاييس تطبيقها فعلياً، وتضمن العرض التقديمي توضيح كيفية قياس مؤشر (V-Dem)، إذ يعتمد على انتخابات الحكومات المحلية، والسلطة الحقيقية للحكومات المحلية، ومدى انتخاب مسؤولي الحكومات المحلية، وجودة الحكم المحلي.
وتختلف تسمية الحكومات المحلية بين دولة وأخرى، فهي في تونس جهة، وفي تركيا ولاية، وفي العراق محافظة، كما تختلف الدول في تفاصيل تطبيق المركزية سواء أكان نظام الحكم فيها مركزي أو فيدرالي، فقد يكون قطاع التعليم مثلاً لامركزياً وقطاع الصحة مركزياً في هذه الدولة، ومختلفاً عنه في دولة أخرى.
وأوضح الدكتور زيدون أن مؤشر اللامركزية في تونس ذات نظام الحكم الأحادي وصل بعد دستور 2014 إلى أكثر من 92 %، وهي نسبة أكثر بحوالي 25 % من اللامركزية في روسيا والعراق رغم أن نظام الحكم فيهما فيدرالي.
وأشار إلى أنه رغم الاعتقاد أن التيارات الإسلامية لا تحبّذ اللامركزية، رسّخت حركة النهضة التونسية آليات تطبيقها في تونس ذات نظام الحكم الأحادي.
كما أن القول بأن اللامركزية لا تناسب الدول الصغيرة غير دقيق، بحسب الدكتور زيدون، يبدو ذلك جلياً في نموذج لاتفيا الدولة الثانية في تطبيق اللامركزية في أوروبا بعد ألمانيا، رغم أن عدد سكانها نحو 2 مليون نسمة فقط.
كما أن أوروبا تضم دولة النمسا الفيدرالية التي تأتي في المرتبة 18 بحسب مؤشر اللامركزية، وفرنسا ذات نظام الحكم الأحادي في المرتبة 13، ما يعني أنه ليست كل فيدرالية لامركزية، ولا كل لامركزية هي فيدرالية.
بين العراق وسوريا
ووجه الدكتور زيدون انتقادات للنموذج العراقي إذ تم صياغة الدستور خلال ستة أشهر، وتسمية النظام بالفيدرالي دون إيجاد التصميم والآليات المناسبة، وأبرزها أن البرلمان بقي مؤلفاً من غرفة واحدة، بينما المفروض في الفيدراليات وجود غرفة تمثل الشعب ككل وأخرى تمثل الأقاليم، والهدف هو ضمان المصالح المحلية للأطراف ومصالح الوطن معاً إذ تمر القرارات والقوانين عبر الغرفتين.
وأضاف أن سياسيين في إقليم كردستان العراق نصحوا السوريين خلال أنشطة سابقة بتجنب لامركزية العراق، فهم لم يحصلوا على تمثيل كإقليم في العاصمة بغداد، لذلك لا يجوز نسخ التجربة العراقية في سوريا، لأن الهدف من اللامركزية هو حماية الأطراف والمحافظات الصغيرة، بينما التصميم بشكل خاطئ يدفع نحو الانفصال.
كما أن واقع التنوع في سوريا مختلف فالكرد موجودون في عدة مناطق وفي أحياء في المدن الكبرى، وكذلك الدروز، وحماية حقوقهم لن تكون باللامركزية وحدها. إذاً ستستفيد أي محافظة بعيدة أو مهمشة سابقاً كدير الزور وإدلب وغيرهما من تطبيق آليات اللامركزية وحمايتها من تغوّل السلطة المركزية.
ويرى الدكتور زيدون أن المركزية الشديدة تؤدي للتطرف، بينما اللامركزية الشديدة تؤدي للانفصال، كلاهما يُضعفان البلاد ولا بد من الموازنة بينهما، والأفضل التحرك من المركزية الشديدة سابقاً نحو التشاركية لتكون للمجتمعات رقابة على لسلطة المحلية التي ستتخذ القرارات دون التصرف كأنها تابعة تماماً للمركز أو كأنها بلا مركز.
ولا يمنح القانون 107 الموجود في الدستور السابق أي صلاحيات محلية، فمجلس المحافظة منتخب لكنه لا يملك أي صلاحيات، وحتى مديرو الصحة والتعليم والمواصلات في المحافظة يتم تعيينهم من الحكومة المركزية، وبالتالي لا رقابة فاعلة من المجتمعات المحلية التي لا تملك صلاحيات مساءلتهم، وهؤلاء المسؤولون سيهتمون بالأوامر فقط من الحكومة المركزية التي تعينهم وتقيلهم.
وخلص الدكتور زيدون إلى أن المركزية الشديدة لنظام حافظ وبشار الأسد همّشت الأطراف والمكونات، بما فيهم الأغلبية، ما أدّى لتسمية أغنى المحافظات السورية بمحافظات نامية ونائية، عدا التهميش الثقافي وغيره، بينما عانت العاصمة المركز من التلوث والازدحام والبناء العشوائي.
مداخلات
أشاد مشاركون باشتراك المنتديات المنظمة للندوة، والمنهج الذي اتبعه الباحث في عرض الحقائق بموضوعية.
وقال الدكتور عمار قحف، من مركز عمران للدراسات، إنه ما من تناقض بين وحدة البلاد واستقرارها واللامركزية، لكن تمّت شيطنة المصطلح عبر خطاب الكراهية، لكن لا ينبغي أيضاً المبالغة في تصور أن اللامركزية هي حل سحري لتطبيق الديمقراطية وجودة الخدمات، فالمشكلة إدارية وحوكمية ولا يمكن حلها بـ”كبسة زر”.
وأضاف أن الوصول إلى شكل جديد ومقبول للامركزية يتطلّب الوقت الكافي، وبناء القدرات، وإطلاق حوارات بين المجتمعات، والحصول على دعم المؤثرين لبناء الثقة، بعد أن دفعت المركزية الشديدة بالبلاد لحافة الانفصال.
وقالت زوزان علوش، من منصة ديفاكتو الحوارية، إن المرحلة تتطلب إعادة التعرف على مصطلح اللامركزية الذي تم عرضه كثيراً بصورة مشوّهة، فبناء شكل سوريا يتم بحل القضايا الجذرية والشائكة التي تحتاج لآليات مختلفة.
وأشارت إلى أهمية تجنب الأخطاء والنواقص في نماذج الدول الأخرى كغياب اللامركزية في القطاع المالي بتونس، وعدم وجود نصوص وآليات توزيع الموارد في العراق.
اعتبرت زوزان أن الأجندات غير الواقعية على الساحة السورية كانت سبباً لمحاولات تشويه المصطلح، فالحوارات الحقيقية الجارية اليوم تركز على توزيع الصلاحيات وآليات تنفيذها بينما تبدو التسميات أقل أهمية.
وتساءل الأستاذ موفق زريق، من ندوة وطن، هل يسمح الواقع السوري الآن يسمح بالمناقشة واتخاذ القرار في مسألة المركزية واللامركزية في بلاد محتلة ومقسّمة ذات سلطة مؤقتة ومع سيطرة السياسة الخارجية على القرارات؟
ورأى مشاركون أنه يجب أن تكون لدينا دولة تمثل كل المجتمعات حتى يتم الاتفاق حول شكل الحكم، أو أحزاب سياسية تمثل توجهات السوريين لتتحاور حول شكل الحكم.
ورأى مشاركون آخرون أن اللامركزية ينبغي أن تتضمن شكلاً من الخصوصية القومية للكرد، بينما قال الدكتور زيدون إن الإدارة الذاتية نفسها لا تطالب في حواراتها مع الحكومة بفيدرالية من إقليمين، ورأى أن أشكال الفيدرالية على أساس إثني كما اللامركزية الموصوفة بسياسية ومالية وإدارية ستقود البلد إلى دمار.
وأشار إلى أن بعض المداخلات عادت إلى أدلجة مسألة اللامركزية من حيث وصفها بفخ التقسيم أو اعتبارها حلاً لكل مشكلات البلاد.
وحذّر من تأجيل أي حوار يتعلّق بالدستور، فتجارب الدول تشير لحاجة وضع دستور دائم لسنوات، فجنوب أفريقيا احتاجت ل 4 سنوات وتونس احتاجت سنتين رغم أنها لم تكن تشهد حروب ودمار كما في سوريا الآن، “إذا انتظرنا توقف الحرب لن تتوقف”.
