قدمت منصة “DeFacto” الحوارية، أمس الجمعة، إحاطة وتوصيات عن هشاشة الواقع السوري خلال مشاركة في المنتدى الحادي عشر لمركز الصين والعولمة (CCG) الذي أقامه في العاصمة الصينية بكين تحت عنوان “نظام شرق أوسطي جديد؟”.
كلمة المستشارة الرئيسية لـ “DeFacto” وخبيرة الحوكمة المستقلة، زوزان علوش، جاءت في اليوم الثاني للمنتدى في جلسة بعنوان “هشاشة الدولة”. تناولت الواقع السوري في ظل غياب الفاعلية المؤسسية والانفصال المزمن بين المواطن والدولة.
ويُعد مركز “CCG” من أبرز المؤسسات البحثية في الصين المعنية بدراسة العولمة والعلاقات الدولية، ويعقد سنوياً العديد من المنتديات الدولية لمناقشة أبرز التحديات العالمية، بمشاركة صناع قرار وخبراء من مختلف أنحاء العالم.
وشارك في الجلسة إلى جانب زوزان علوش مجموعة من الشخصيات الدولية، من بينهم وزراء ودبلوماسيون سابقون وأكاديميون بارزون، لمناقشة التحديات المرتبطة بإعادة الإعمار، والاستقرار السياسي، والتدخلات الإقليمية والدولية في الدول الهشة.
فقر وانقسام
وخلال مشاركتها في المنتدى، قالت زوزان علوش: “لقد ترك نظام الأسد سوريا مدمرة، ليست فقط على صعيد البنية التحتية، بل أيضاً على الصعيد الإنساني. يعاني الشعب السوري من الجوع والفقر والانقسام، مما يُسهّل استغلاله وتحريضه ضد بعضه البعض وأيضاً من السهل أن يدخل في دوامة التطرف”.
وأضافت أن الخطابات المتصاعدة للتطرف والكراهية تجاه أي شخص أو فكر مختلف، وخاصة تجاه المكونات مثل العلويين والكرد والدروز، تعكس هشاشة الوضع وتزيد من تعقيد جهود بناء نظام سياسي مستقر وأي عملية مصالحة وطنية صحيحة. لقد أظهرت خمسون عاماً من حكم البعث أنه لا يمكن لسوريا أن تكون دولة ذات لون واحد. لذا، فإن “معالجة هذا التنوع وتحقيق التعايش السلمي أصبح ضرورة ملحة”.
وأكدت علوش أن “الحل ليس مجرد رفع العقوبات، بل يتطلب الأمر أشكالاً مختلفة من الدعم”.
العدالة حق للجميع
وعن التحديات المتعلقة بالمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، أوضحت علوش أنه في ظل الظروف الحالية، تعاني النساء في سوريا من ظروف قاسية، مما يستدعي تدخلاً دولياً لوضع استراتيجيات فعالة للتصدي للمعلومات المضللة وتعزيز قيادة النساء والفتيات في جميع جوانب السلام والأمن والتنمية.
وفي العام الحالي 2025 تحل الذكرى الخامسة والعشرين لجدول أعمال المرأة والسلام والأمن وفق قرار مجلس الأمن الدولي 1325، بالتزامن مع الذكرى الثلاثين لإعلان بكين ومنصة العمل.
وذكّرت علوش بالحاجة الملحة للنظر في النظام اللامركزي كحل ضروري. “إن اعتماد حكم لامركزي سيتيح للمناطق إدارة شؤونها بشكل أكثر فعالية، ويمنح المواطنين صوتهم في صنع القرار. بهذه الطريقة ستعزز تماسك المجتمع وتضع أسساً قوية لبناء دولة مستقرة قائمة على العدالة والتكامل”.
وأشارت إلى أن الثورة لم تكن مجرد محاولة لإسقاط بشار الأسد كشخص، بل كانت تعبيراً عن طموح عميق لسوريا متعددة تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان حقوق جميع مكوناتها. ويجب أن تبقى هذه القيم محورية في أي جهود مستقبلية لبناء سوريا جديدة.
دعم خطوات السلام
وأكدت علوش على أهمية “الدعم الخارجي كعنصر حيوي في هذه المرحلة الحرجة. فمن الضروري ألا تُترك سوريا في هذه الظروف، خاصة بعد 13 عاماً من الدعم، سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية أو الإدارية”.
وأوضحت أن سوريا تحتاج إلى أنواع مختلفة من الوساطات والتدخلات الإيجابية التي يمكن أن تُسهم في تحسين الوضع، واستمرار الدعم الدولي يجب أن يركز على احتياجات السوريين الحقيقية لضمان توفير بيئة مناسبة لاستعادة الاستقرار وبناء السلام ودعم التوافقات والاتفاقات المحلية كجهود لبناء سلام مستدام كالاتفاق الذي تم بين الحكومة في العاصمة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية في الشمال الشرقي.
وقالت أيضاً إن الدعم الاقتصادي عنصر أساسي لتحقيق التنمية وتحسين حياة الناس في سوريا. يجب أن تكون هناك استثمارات في فرص العمل، وتعزيز التعليم، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، حيث ستساعد هذه المبادرات في معالجة الفقر والبطالة، وتسهم في بناء مجتمع متماسك قادر على تجاوز الأزمات.
علاقة المواطن والدولة
نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، أقامت منصة “DeFacto” ملتقيات حوارية في عدة مناطق سورية مختلفة بهدف خلق مساحات تجمع الرؤى المختلفة في حلول مشتركة تقود نحو السلام والاستقرار في سوريا الجديدة.
وترى المنصة أنه لا بدّ من تعزيز نماذج الحكم التشاركي والمساءلة المحلية كبدائل واقعية للنهوض بسوريا. وأن بناء الدولة لا يمكن أن يتحقق فقط عبر التدخلات الخارجية أو الحلول الأمنية، بل من خلال إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أسس من الشفافية والعدالة.
وتؤمن “DeFacto” بأهمية الأطر الحوارية في ردم الفجوة بين المؤسسات والمجتمع المدني، وتأتي مشاركتها في بكين لتؤكد دورها الريادي في تقديم رؤى تحليلية مستقلة وبديلة حول قضايا الحوكمة وبناء الدولة، عبر المنتديات الدولية الرفيعة المستوى.
وخلال المنتدى في بكين، قالت زوزان علوش إن هناك نقاط إيجابية، ومنها أننا تخلصنا من نظام بشار الأسد الذي دمر البلاد. ولكن هذا الواقع الملح يدعونا للعمل معاً لإيجاد حلول مشتركة، لنخرج من حالة الهشاشة إلى مستقبل مستقر وشامل، مستقبل يضمن العدالة الاجتماعية لكل سوري.
وأكدت على أهمية الاستماع إلى السرديات المتنوعة من جميع المناطق. “يجب أن نتعلم من الماضي ونستفيد من تجاربنا لنضمن عدم تكرار الأزمات أو الانحدار إلى حالة أكثر هشاشة”.
