إعداد: جلنك عمر *
تمهيد
شغل الحديث عن اللامركزية حيزاً واسعاً في نقاشات السوريين منذ انطلاق الحراك الشعبي عام 2011 وتحوله لاحقاً إلى صراع أهلي. وإن كان الكرد في طليعة من حمل راية اللامركزية مبكراً معتبرين إياها النموذج الأمثل لسوريا وحل مشكلاتها، فإن الأصوات الداعية إلى تبني اللامركزية كنظام حكم لسوريا أضحت أعلى في الآونة الأخيرة، وباتت أطراف أخرى وشرائح أوسع من مكونات الطيف السوري تدعو لتبنيها، لاسيما بعد سقوط نظام البعث وهروب بشار الأسد.
وإن كانت سوريا خلال العقد الأخير ونتيجة للصراع والحرب الأهلية، مقسمة بحكم الأمر الواقع لعدد من مناطق النفوذ، يدار كل منها وفقاً لهياكل إدارية ونظام حكم يختلف عن الآخر. فإن إعادة تجميع الخارطة السورية يقتضي ابتداع وصفة تعيد جبر ما انكسر في الحرب وترمم ما أصاب البلاد من صدوع على مختلف المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
في هذا السياق يبرز طرح الدولة اللامركزية: لا يأتي هذا الطرح فقط كشاخصة عبور لأجل الخروج بسوريا من نفق أزمتها، والتي كان النظام السلطوي المركزي المتسبب الأساس بها، بل كحل واقعي وعملي لبناء وطن تعددي تتشارك كل فيه مكوناته، وفق عقد اجتماعي جديد ناظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع المتعدد الانتماءات القومية والدينية والطائفية والثقافية، وذلك على أسس العدالة، والمشاركة الديمقراطية الحرة، والمواطنة المتساوية والكاملة.
إن ما سبق يقتضي تطبيق آلية دستورية، يمكن تسميتها نظام الحكم المحلي/ الإقليمي أو الإدارة الذاتية أو أية تسمية تكفل نقل وتفويض جزء من الصلاحيات من المركز إلى الأطراف، يُتفق على حجمها وشكلها ومضمونها بين شركاء العقد الاجتماعي. إن هذه الآلية اللامركزية لممارسة الحكم لا تحقق فقط عدالة توزيع السلطة، بل هي كذلك وسيلة فعّالة في تحقيق عدالة توزيع الثروة والموارد ومن ثم التنمية الشاملة والمستدامة.
تأخذ هذه اللامركزية تنمية الاقتصاد الوطني بعين الاعتبار، كما تضع في المقدمة أولوية تنمية وتطوير الاقتصادات المحلية في الأطراف/ الأقاليم وديناميات السوق فيها، وذلك عبر ترتيبات شبه مستقلة من أجل: إدارة الموارد الطبيعية من مصادر المياه ومكامن الطاقة، تسيير المؤسسات والمرافق العامة، تأسيس الأسواق وتنظيم الملكية، تأسيس البنوك والشركات، إقرار الموازنة العامة وتنظيم مصادر الإيرادات وأوجه النفقات، وغيرها من الأمور.

