عقدت منصة “DeFacto” الحوارية، في 22 آذار/ مارس، جلسة حوارية مغلقة في القامشلي شمال شرقي سوريا، لمناقشة القضايا الراهنة المتعلقة بالمرحلة الانتقالية في سوريا، مع التركيز على أداء القيادة الجديدة للبلاد، والاتفاق المُبرم بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي.
ورغم تباين آراء المشاركين في التفاصيل، خلال الجلسة التي شارك فيها ناشطون في المجتمع المدني والإعلام والأحزاب السياسية، إلا أن انتقاد ضبابية المشهد بسبب عدم الشفافية كان سائداً في الجلسة، وبدا التفاؤل بسقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي واضحاً، مع التحذير من تحديات المرحلة الانتقالية.
وتضمنت المداخلات قراءات مختلفة للأحداث، إلى جانب انتقادات ومخاوف المجتمعات، وتوصيات لمنظمات المجتمع المدني والأطراف السياسية والسلطات.
قراءات للمشهد السوري
اعتبر مشاركون في الجلسة أنه ينبغي التوقف عند شعار “وحدة الشعب السوري” الذي تكشف مراجعة الواقع أنها لم تتحقق خلال العقود السابقة، فالمكونات والمناطق لم تتعارف ولم تألف بعضها. مثلاً قليل من السوريين زاروا الجزيرة في حياتهم، وذهاب أبناء الجزيرة لدمشق وحلب والمناطق الأخرى كان في إطار الدراسة والطبابة والعمل، وأنها لم تنتج غالباً تفاعلاً حقيقياً وصادقاً.
وينبغي على الأطر السياسية ومنظمات المجتمع المدني إبقاء التفاؤل إزاء سقوط نظام الأسد الاستبدادي، والمشاركة في خلق قنوات تواصل بين الناس والسلطات الجديدة، بحسب مداخلة.
وتناولت المناقشات ظهور مؤشرات التشدد والانتهاكات خلال أحداث الساحل وانتشار خطاب الكراهية، ما أدّى لأن تصبح مخاطر المناطقية أكثر رعباً، وأن عامل التدخل التركي والإسرائيلي دفع لاستمرار الصراع وأدّى لتسريع حدوث أعمال القتل الجماعي، وأن الحراك السياسي المنظم في شمال وشرق سوريا منع أبناء هذه المنطقة من الانجرار للكراهية والفتن والاقتتال الداخلي.
ورأى المشاركون أنه مهما كانت الظروف الحالية غير مشجعة، فإن الخلاص من نظام الاستبداد والقتل، نظام الأسد، شكل عوامل وآفاقاً جديدة للسوريين جميعاً.
إلى أين تسير الحكومة الجديدة؟
كان غالبية المشاركين متفقين على أن المؤشرات في بداية المرحلة الانتقالية لم تكن مشجّعة، فمؤتمر الحوار الوطني لم يشهد تمثيلاً حقيقياً وشاملاً للسوريين، ولم تسلم بنود الإعلان الدستوري من الانتقادات من أطراف مختلفة، ما يطرح التساؤل عما إذا كان تشكيل الحكومة والبرلمان سيسير بالشكل نفسه.
واعتبر مشاركون أن السلطة الجديدة تعيش حالة صدمة تجاه التنوع السوري، ورغم أن الجميع يتحدث عن وحدة الجغرافيا السورية، تبدو الأمور وكأن البلاد تسير نحو الشكل نفسه (الحاكم الواحد) بالإضافة للتشدد الديني.
وأضافوا أن الإدارة الانتقالية رأت في البداية أن بالإمكان الاعتماد على أصحاب الكفاءات كبديل عن التعددية والتشاركية، إلا أنها لجأت إلى تكليف موالين لها على أنهم أصحاب كفاءات وخبرات، وهو ما أثبت فشله في مؤتمر الحوار الوطني والإعلان الدستوري.
كل ذلك حدث في غياب حراك مدني أو سياسي نشط، وسط ضغوط لضبط عمل المنظمات العاملة سابقاً، جميعها مطالبة بإعادة الترخيص، بينما لم يتم فتح الباب لترخيص الأحزاب السياسية.
ورجّح البعض أن تحافظ إدارة المرحلة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع على نمط التشدد والأحادية بالنظر لخلفية “هيئة تحرير الشام”، فيما رأى آخرون أنه إذا كان اختيار الممثلين واقعياً وصحيحاً مع الأخذ بعين الاعتبار تمثيل المكونات القومية والدينية ستسير الأمور نحو عملية سياسية ومرحلة انتقالية حقيقية.
كما يبرز دور العامل الاقتصادي كمعيار لنجاح الحكومة الجديدة، فإجراءات فصل الموظفين والخبراء دون توفر بدائل هي مؤشر أيضاً على مشكلة متوقعة في الأداء.
وقال مشارك إن مساعي الحكومة الجديدة تستوجب عقد حوار وطني حقيقي يمثل كل شرائح ومكونات سوريا، ولا بدّ من مجلس حكم انتقالي ينتقل من الحكم الرئاسي الحالي إلى نظام حكم برلماني.
اتفاق الشرع- عبدي من منظور نقدي
ورأى بعض المشاركين أن ثمرات الاتفاق المباشرة ظهرت في إرادة إنهاء الحرب وبدء مرحلة جديدة، وظهر ذلك في تفاؤل معنوي وشعبي وتخفيف من خطاب الكراهية.
وكان على منطقة شمال وشرق اتخاذ قرار شكل التعامل مع الإدارة الجديدة وفق مبدأ المعارضة أم المشاركة، الاتفاق قرر المشاركة.
وحتى الآن، ما عدا الاتفاق، لا توجد وعود بالحرية والانفتاح لدى السلطة الجديدة في دمشق، بما فيه وضع المهجّرين ومستقبل المناطق التي تحتلها تركيا، فحتى الخطوات الإيجابية في عفرين بدت خجولة. وقد تتيح بنود الاتفاق إطلاق مسارات عدالة وتشاركية تعوّض النواقص والضعف في المرحلة الراهنة، بحسب المشاركين.
وشملت الانتقادات للاتفاق، خلال الجلسة، ما اعتُبر خرقاً للاتفاق من خلال ثلاث نقاط، هي عدم وقف إطلاق النار ضد شمال وشرق سوريا، واستمرار أعمال القتل في الساحل، وصدور الإعلان الدستوري البعيد عن بنود الاتفاق.
وانتقد المشاركون عدم الشفافية فيما يتعلق بالبنود العامة للاتفاق، فكل بند يحتاج للكثير من التفاصيل، لا سيما ما يتعلّق بشكل نظام الحكم وغياب ذكر دور المجتمع المدني في منطقتي السيطرة والمكونات الأخرى لشمال وشرق كالسريان الآشوريين والإيزيديين.
رؤى وتوصيات
- – عدم التزام الحكومة الجديدة بالعهود والمواثيق الدولية المتعلقة بالحقوق والحريات، سيُبقي مهامها والتوافق الدولي إزاءها في إطار تمكين السلطات والهيمنة، دون التعويل على بناء مؤسسات وتنمية حقيقية.
- العدالة في المرحلة الانتقالية ينبغي أن تخفف الضغوط والتراكمات على المستوى الشعبي والمجتمعات.
- من الضروري تفعيل المجتمع المدني وحرية نشاط الأحزاب والحوارات، فقد رأينا صدى إيجابياً لاتفاق الشرع- عبدي رغم أنه شمل فقط مبادئ المرحلة.
- نجاح الاتفاقات مرهون بإبعاد تأثير التدخل التركي والإسرائيلي أو إشراك دول أخرى ذات تأثير إيجابي.
– يجب إصلاح البيت الداخلي شمال وشرق سوريا، في الجزيرة والرقة وكوباني والطبقة ودير الزور، عبر تفعيل دور المؤسسات والخدمات.
— يجب أن يكون اللقاء الكردي- الكردي المرتقب معزولاً عن التدخلات السلبية والمصالح الجهوية والشخصية.
– إذا سارت الأوضاع باتجاه سلبي وانعدمت الخيارات، على الناشطين تنظيم حراك جديد للاحتجاج.
– تنفيذ بنود وقف إطلاق النار ودمج المؤسسات وإعادة النازحين، مساحة مناسبة لمشاركة المجتمع المدني، وتُمكّن الحكومة من تلافي ضعف العمل التشاركي في الأشهر الأولى.
