إيفا شيخ موسى
تبرز العدالة الانتقالية كآلية حيوية لمواجهة الإرث العنيف للنظام السابق، وتُعتبر ضرورة أخلاقية وقانونية، وشرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي، فبدون عدالة انتقالية ستظل جروح الماضي مفتوحة وعوامل عودة العنف حاضرة.
وشكّل سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 منعطفاً تاريخياً لسوريا، إذ فتح الباب أمام إمكانية بناء دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وتُرسي أسس السلام المستدام، لكن تحقيق هذه الرؤية يتطلب معالجة إرث العنف والظلم الذي خلفه النظام السابق، بالإضافة إلى الانتهاكات التي ارتكبتها الفصائل المسلحة خلال سنوات الصراع.
إرث لحكم الأسد
حكم حافظ وبشار الأسد سوريا لأكثر من خمسة عقود وترك نظامهما إرثاً ثقيلاً من الانتهاكات والفظائع كمجزرة حماة عام 1982 والغوطة الشرقية عام 2013 وحصار مدنيي داريا ومآسٍ كثيرة غيرها.
ورغم أن النظام البائد ادّعى العلمانية، إلا أنه استخدم الانقسامات الطائفية والعرقية كأداة للبقاء في السلطة، مع التركيز على التمييز الطائفي واحتكار السلطة، وتقديم نفسه كحام لمكونات الشعب السوري ضد الإرهاب. ولم تقتصر مجازر وجرائم نظام الأسد على أساس الطائفة فقط، بل كان قمع الكرد وحرمانهم من الجنسية عام 1962 ومنع لغتهم وتغيير أسماء قراهم والتغيير الديموغرافي جزءاً من سياسة النظام وحزب البعث، كما ارتكب النظام جرائم بحق معارضيه ودعاة الحريات من كافة المكونات السورية.
يقول المحامي السوري سراج كلش: “مما لا شك فيه أن الطريقة الهمجية التي تعاطى بها المجرم حافظ الأسد في صراعه مع حركة الإخوان المسلمين وقتل واعتقال المدنيين نساء وأطفالاً وشيوخاً، حوّل الصراع من سياسي إلى طائفي، رغم أنه ألحق أضراراً بالغة بالطائفة العلوية من خلال إفقارهم، ثم فتح باب الانتساب إلى الجيش والأجهزة الأمنية.
وعاض كثيرون من أبناء الطائفة العلوية سياسات نظام الأسد، خصوصاً أن اهتمامهم بالتحصيل العلمي والأكاديمي أفرز وعياً سياسياً بالقضايا الوطنية والقومية لدى كثيرين، بينهم معارضون قضوا تحت التعذيب وآخرون قضوا سنوات طويلة في سجون تدمر وصيدنايا وغيرها. استناداً إلى ذلك يعتبر حافظ الأسد وبشار الأسد مسؤولَين عن تحويل سوريا إلى دولة طائفية.
ومثّلت سياسة الإقصاء الوجه الآخر للطائفية، إذ يقول الباحث في شؤون جماعات ما دون الدولة، حسام جزماتي: “نظام الأسد عصبوي وطائفي، ازداد اعتماده على طائفته عندما تعرض لخطر إسلامي سني، فازدادت نسبة التمييز الطائفي في المؤسسات العسكرية”.
ويرى مدير قسم القضايا في المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، أمجد حمود، أن “حافظ الأسد كان له تأثير عميق على مفهوم العدالة الانتقامية، حيث أرسى نهجاً قائماً على القمع الممنهج والانتقام الجماعي بدلاً من أي شكل من أشكال العدالة الحقيقية. يمكن تلخيص تأثيره في عدة نقاط أهمها طبيعة العنف كأداة للعدالة، والقضاء كأداة انتقامية، وبناء نظام أمني قائم على الترهيب، واستدامة إرث العدالة الانتقامية بعده”.
ترك نظام الأسد إرثاً من العنف المُمنهج الذي استهدف السوريين على أساس سياسي في المقام الأول، لكنه حوّل سوريا إلى ساحة لصراع طائفي وعرقي عبر سياسات التمييز والاستقطاب. هذا الإرث لا يزال يُشكّل التحدي الأكبر لأي عملية مصالحة أو انتقال ديمقراطي.
عنف ممنهج في الساحل
في 6 آذار/مارس 2025، شهد الساحل السوري، لا سيما في محافظتي اللاذقية وطرطوس، سلسلة من الهجمات من قبل فلول النظام على عناصر الأمن العام التابع للحكومة السورية الانتقالية، وسرعان ما تحركت الفصائل المنطوية تحت وزارة الدفاع السورية وقامت بحملات تمشيط ممنهحة في الساحل، وارتكبت انتهاكات كبيرة، شملت اعتقالات تعسفية وإعدامات ميدانية، إلى جانب عمليات نهب وتطويق أهالي بعض القرى بهدف إجبارهم على الفرار من مناطقهم.
يُذكر أن هذه الإجراءات لم تقتصر على استخدام القوة بشكل عشوائي، بل اتُخذت في إطار حملة تبدو وكأن لها أهدافاً واضحة لتطهير المنطقة من الطائفة العلوية. أثارت هذه الأعمال تساؤلات هامة حول ما إذا كانت الانتهاكات ترقى إلى مستوى إبادة جماعية.
ومن وجهة نظر جزماتي فإنه “لا شك في أن المجازر التي تحصل في الساحل، لا تحصل على أساس طائفي فقط، بل على أساس طائفي وسياسي، وهذا ما يؤكد وجود الطائفية السياسية في سوريا”.
ويضيف: “استعان بشار الأسد بالميليشيات الطائفية العلوية والشيعية نسبياً، لقمع الثورة التي فقدت تنوعها بعد العام 2012 لصالح الطائفة السنية”.
وفي خضم مجزرة الساحل، يظهر السؤال كيف يمكن تطبيق مبدأ العدالة الانتقالية في بلد يشهد تصفيات طائفية؟
يجيب مدير ومؤسس رابطة تآزر للضحايا، عز الدين صالح، بأن “العدالة الانتقالية في سوريا تواجه عدة تحديات رئيسية، أبرزها استمرار انتهاكات حقوق الإنسان، وغياب مؤسسات مستقلة قادرة على تنفيذ العدالة الانتقالية بشكل نزيه وفعال، فضلاً عن استمرار نفوذ بعض الشخصيات المتورطة في الجرائم”.
ويزيد: “على هيئات الأمم المتحدة، مثل لجنة التحقيق الدولية (COI) والآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM) وغيرها، الإشراف على مسار العدالة الانتقالية ودعم روابط الضحايا والناجين/ات وعائلاتهم/ن وشركاء المجتمع المدني، من أجل ضمان أنّ تكون عمليات العدالة الانتقالية شاملة لا تستثني أحداً، وتضمن مشاركة فاعلة وقيادية للضحايا في جميع مراحلها، بدءاً من التصميم، وصولاً إلى التنفيذ، والمتابعة والتقييم. فلا يمكن تحقيق استقرار حقيقي دون عدالة شاملة للجميع، تضمن عدم تكرار انتهاكات الماضي”.
ويتفق أمجد حمود في أن “من أهم نقاط العدالة الانتقالية تحقيق المصالحة الوطنية من خلال منع الانتقام العشوائي والفوضى عبر سياسات واضحة للمحاسبة، وضمان تمثيل جميع الفئات السورية في العملية السياسية الجديدة، وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان لمنع تكرار الجرائم في المستقبل”.
وبالنسبة للإطار الزمني لبدء وإنجاز مرحلة العدالة الانتقالية، يقول المحامي زكي حجي: “هناك إجراءات سريعة وفورية كإصدار قوانين وتشكيل لجان خاصة، في المقابل هناك انتهاكات تحتاج لإجراءات طويلة وذلك حتى يتم التأكد من التوثيقات المتوفرة، وتأمين الموارد المالية، وقد يحتاج الأمر لتوافقات سياسية داخلية في بعض الأحيان”.
ويضيف: “من أهم التحديات التي تواجه العدالة الانتقالية هو عدم وجود مؤسسات لإنفاذ القانون وتطبيق العدالة من محاكم وجهاز قضائي مستقل ولجان الصلح وعوامل الاستقرار الأمني والسياسي”.
خلاصة:
تحوّلت آمال السوريين في العدالة الانتقالية، التي كان يُنتظر منها أن تكون جسراً للمصالحة وضماناً لعدم تكرار الانتهاكات، إلى كابوس جديد من الانتقام الطائفي المُمنهج، بعد أكثر من 47 مجزرة بحق العلويين.
ويُعَدّ تبني العدالة الانتقالية والرفض القاطع للحرب الطائفية والعرقية شرطين أساسيين لإنهاء دوامة الانقسامات التي أدت إلى تفكك النسيج الاجتماعي السوري، وتحقيق مجتمع شامل يحترم التنوع ويعطي كل فرد مكانته.
وعليه مازال بإمكان السوريين تجاوز ماضيهم المظلم، والعمل على إصلاح الآثار العميقة للانتهاكات، وضمان عدم تكرارها مستقبلاً، ما سيمهد الطريق لنهضة وطنية قائمة على العدالة والمساواة.
