دمشق- DeFacto
لم تكد سوريا تخرج من شرنقة نظام الأسد وشبيحته وداعميه، حتى وقعت في دوامة أحداث ذات طابع طائفي شديدة الخطورة، تمثلت في الاعتداء على أماكن ورموز دينية وقتل قضاة سابقين وعناصر أمن للإدارة الجديدة وتظاهرات تنادي بشعارات طائفية.
وطوال عقود سابقة، كرّس نظام الأسد الحقد الطائفي وعززه بممارسات أجهزته الأمنية فعلاً، وكثيراً ما أخفى تسميتها تحت عباءة الحيازة الحزبية البعثية، ما ترك آثاراً عميقة في نفوس أتباع الطوائف الدينية بسبب تراكم الفعل والفعل المضاد.
وبالإضافة للجرائم الوحشية التي اتخذها نظام الأسد نهجاً له، تبادلت أطراف النزاع في سوريا الاتهامات بارتكاب انتهاكات وجرائم طوال الأعوام الـ13 الماضية، ما جعل أدوار الجناة والضحايا مشوشة في المشهد لدرجة الخلط بينها.
حوادث خطرة
وفي 23 كانون الأول/ ديسمبر الفائت، أحرق ثلاثة مقاتلون من الجنسية الأوزبكية شجرة الميلاد في مدينة السقيلبية ذات الغالبية السكانية المسيحية بريف حماة، ما أثار ردود فعل تمثلت في تظاهرات شبابية في المدينة والعاصمة دمشق مطالبة بحقوق المسيحيين.
وفي الوقت الذي قامت فيه إدارة العمليات العسكرية بإصلاح الشجرة وإضاءتها من جديد، وإعلان اعتقال من أضرموا النار فيها، انتشر مقطع فيديو لمقاتل جهادي آخر يتوعّد المسيحيين بالانتقام لرفعهم صلباناً خشبية في دمشق.
وفي 25 من ديسمبر، اندلعت مظاهرات في حمص وطرطوس وجبلة واللاذقية احتجاجاً على حرق مقام للعلويين وهو مقام “أبي عبد الله الحسين الخصيبي” في منطقة ميسلون بمدينة حلب، بالإضافة لقتل ثلاثة من القضاة.
وأعلن شهود في المقام أن الحادثة وقعت في وقت سابق حين دخل مقاتلو حملة “ردع العدوان” إلى مدينة حلب، وهو ما يوضح أن ناشري مقطع الفيديو الذي أظهر الاعتداء كانوا يهدفون للفتنة بحسب البعض، لكن التظاهرات بدورها نادت بهتافات طائفية، من بينها تهديدات ضد الطوائف الأخرى.
وبعد مقتل أحد المتظاهرين في حمص وإصابة آخرين برصاص قوات الأمن، أصدرت السلطات الجديدة في دمشق قراراً بمنع التجمعات والمظاهرات حتى استتباب الأمن، لكنها تراجعت عن القرار لاحقاً.
ومثلت تظاهرات الساحل السوري رد فعل جماعي لحماية أبناء الطائفة العلوية من سيل الاتهامات ضد مجتمعهم عموماً، بدل محاسبة من ارتكبوا الجرائم مع النظام السابق، وكانت محاولة لإرسال رسالة للسلطة الجديدة في دمشق مفادها أن الطائفة متضامنة مع أفرادها وسوف تدافع عنهم وعن ذاتها.
ومن جانب آخر، يهدف الموالون لنظام الأسد لتجنب الانتقامات والمحاكمات في المرحلة الجديدة بعد انتهاء سلطة الأسد وسقوط نظامه، كما ظهرت هتافات تشير إلى ولاء بعض من تصدروا التظاهرات لإيران.
مسؤولية للسلطات
إن الأيام الأخيرة من العام 2024، حملت التحول المثقل من النظام الديكتاتوري الاستبدادي الفاسد إلى مرحلة جديدة يشوبها الحذر والترقب، مترافقة مع تفكك أجهزة النظام التي كان يدير بها الدولة والمجتمع في ظل عدم تبلور أجهزة وأشكال حكم جديدة.
وغالباً ما لم تردّ السلطات الجديدة على الأحداث بردود فعل طائفية، ولو حصل ذلك لكان أمراً محفوفاً بالخطر إذ يفتح الأبواب أمام اشتباك طائفي قد يصل لدرجة حرب طائفية.
ويتحمل نظام بشار الأسد المسؤولية الكاملة عما آلت إليه البلاد، فهو من اغتصب السلطة كلها، بما فيها أجهزة الأمن ومؤسسات الدولة السورية، وقرر تفكيكها قبيل سقوطه ليترك المجتمعات السورية تتبادل الاتهامات والتهديدات والكراهية.
وتتحمل السلطات الجديدة مسؤولية إعادة من لم تتلطخ أيديهم بدماء السوريين إلى العمل، بدل إغلاق مصدر عيش عشرات الآلاف من أرباب العائلات السورية الذين كانوا يعملون في الجيش والشرطة، وتركهم تحت تأثير من يشاء من فلول النظام السابق والتحريض داخل البلاد وخارجها.
ويُعدّ العامل الاقتصادي المعيشي الدافع الأبرز للاحتجاجات التي يشارك فيها أو يقودها ضباط وعناصر جيش النظام السابق الذين لا يتمكنون من العودة للعمل، في حين تفيد الوقائع أن النظام السابق استخدم عناصر كافة الطوائف وقوداً للحل الأمني العسكري الذي اختاره بدعم من إيران وحزب الله بشكل أساسي.
وينبغي التمييز بين الاحتجاجات المشروعة التي قام بها أو سيقوم بها العلويون وأبناء الساحل عموماً، وعمليات عدائية لأتباع النظام السابق مثل حادثة إطلاق النار على دورية أمنية في المزيرعة بريف اللاذقية منتصف ديسمبر، وقتل أربعة من عناصرها، واستهداف دورية لقوات الأمن العام بريف طرطوس حين كانت في طريقها لاعتقال العميد محمد كنجو حسن، المسؤول عن إعدام آلاف السجناء في سجن صيدنايا، ما أسفر عن مقتل 14 عنصراً للأمن، بحسب وزارة الداخلية السورية.
وفي العاصمة دمشق، التقت الإدارة الجديدة للبلاد مع ممثلين عن المجتمعات المسيحية والدرزية، وبدا التوافق على السير بالبلاد نحو السلام واضحاً رغم الاختلافات في وجهات النظر، وأثمر ذلك في تجاوز عدة حوادث أبرزها حرق شجرة عيد الميلاد في السقيلبية وعودة رتل للعمليات العسكرية من السويداء بسبب ضعف في تنسيق حركته ما بين العاصمة والجنوب السوري.
إن المرحلة الجديدة في حياة البلاد تحدد مستقبل السوريين بكافة طوائفهم وقومياتهم إلى عشرات السنوات، والمطلوب اليوم هو عدم الإصغاء لرموز النظام السابق ورئيسه الذي ترك البلاد مدمرة، وخان أهلها جميعاً. وفي المقابل عدم الانجرار في مديح السلطة الجديدة، بل مراقبة أفعالها وأعمالها مع ممارسة النقد للإشارة إلى جوهر المشكلات التي يعاني منها السوريون في الواقع الحياتي، والفعل السياسي المنظم من خلال الأحزاب والهيئات والمنظمات المدنية والأهلية الديمقراطية العصرية والنقابات والاتحادات المهنية.
