تمثّل سيطرة المعارضة السورية على مدينة حلب، في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر الفائت، تحولاً استراتيجياً عميقاً لا يقتصر على كونه انتصاراً عسكرياً، بل يعيد تشكيل ملامح الصراع على الأصعدة المحلية والدولية، ما يطرح العديد من التساؤلات حول تداعيات هذا التحول على الأطراف السورية المختلفة، بالإضافة إلى القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في سوريا.
ومنذ بداية الصراع السوري عام 2011، بقيت حلب وأريافها محط صراع مرير بين الأطراف المتنازعة، فهي أكبر المدن السورية من حيث الكثافة السكانية وعقدة وصل بين مختلف أنحاء البلاد، وواحدة من أبرز المدن المأهولة عبر التاريخ التي تحمل قيمة استراتيجية، فقد كانت على مر العصور مركزاً للتجارة والثقافة والسياسة.
ويعيد انتزاع المعارضة حلب من يد القوات الحكومية رسم خرائط نفوذ الفاعلين الإقليميين والدوليين كإيران وتركيا وروسيا، وتمنح كلاً منها أدواراً ومساحات جديدة. ومن المرجّح أنه تم الاتفاق عليها أو دراستها قبيل شن الهجمات العسكرية.
موقع استراتيجي وتاريخ عريق
تقع مدينة حلب شمالي سوريا، على مساحة تبلغ حوالي 190 كم2، فيما تمتد المحافظة ككل نحو 18 ألف كم2، وتتميز بموقعها الاستراتيجي الذي يربط الشرق والغرب، وبين البحر الأبيض المتوسط ونهر الفرات، ما جعلها محوراً لطرق التجارة والقوافل منذ القدم، وأكسبها قيمة اقتصادية وسياسية كبرى.
وتشير الأدلة التاريخية إلى أن حلب كانت قائمة منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، إذ ذُكرت في النصوص المصرية القديمة كواحدة من المراكز الحضارية المهمة. وقد أظهرت الحفريات آثاراً لمعبد قديم يعود إلى نهاية الألف الثالث قبل الميلاد، تم العثور عليه في قلعتها التي أصبحت لاحقاً معلماً بارزاً في العصور الوسطى.
وخلال القرن 18 قبل الميلاد، ازدهرت حلب كمركز سياسي واقتصادي تحت حكم مملكة يمحاض، لكنها سرعان ما سقطت في يد الحثيين. وفي الحقبة الهلنستية أصبحت المدينة نقطة مهمة على طرق التجارة بين البحر الأبيض المتوسط وبلاد الشرق. واستمرت في العصر البيزنطي كمركز تجاري هام، قبل أن تقع تحت الحكم الإسلامي في القرن السابع الميلادي.
وتعاقب على حلب العديد من الغزاة، من الصليبيين إلى المغول بقيادة تيمورلنك، الذين ألحقوا بها دماراً كبيراً. وفي القرن 16 م أصبحت حلب جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، وازدهرت كمركز تجاري وثقافي هام حتى القرن 19 عندما فقدت بعض أهميتها نتيجة التغيرات الجيوسياسية التي طرأت على المنطقة.
وقبل اندلاع الصراع عام 2011، كانت حلب العاصمة الاقتصادية لسوريا، حيث ساهمت بنحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي. واحتضنت المدينة 30% من الصناعات السورية التي كان يعمل فيها أكثر من 23% من القوة العاملة في البلاد، واشتهرت بصناعات النسيج، والمنتجات الغذائية، والصناعات اليدوية، مثل الصابون الحلبي الذي يحمل شهرة عالمية.
كما تمثّل حلب مركزاً للتنوع الديني والثقافي، حيث تسكنها غالبية مسلمة سنية مع وجود أقليات كردية وتركمانية ومسيحية وشيعية. هذا التنوع انعكس في غناها المعماري الذي ضم المساجد والكنائس والأسواق والبيوت التقليدية ذات الطابع الحلبي المميز.
وأدرجت منظمة اليونسكو عام 1986 أسواق حلب القديمة ضمن قائمة التراث العالمي، والتي تُعدّ واحدة من أطول الأسواق المسقوفة في العالم، تمتد لأكثر من 15 كم. كما برزت المدينة بمعالمها الأثرية مثل قلعتها وجامعها الكبير، ما جعلها مقصداً سياحياً عالمياً.
هدف استراتيجي
شكلت السيطرة على حلب هدفاً استراتيجياً لجميع الأطراف المتنازعة لموقعها في الداخل ومركزها اللوجستي الحيوي القريب من الحدود التركية، فالقوات النظامية السورية ركزت على حماية المدينة نظراً لأهميتها في تأمين خطوط الإمداد والسيطرة على الشمال الغربي. وفي المقابل اعتبرت المعارضة السورية حلب رمزاً للثورة ومركزاً حيوياً لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية.
وبدأت معركة حلب فعلياً عام 2012 عندما سيطرت قوات المعارضة على أجزاء واسعة من المدينة، لتصبح ساحة حرب مستعرة، أشعلت دماراً هائلاً للبنية التحتية والمعالم التاريخية، بما في ذلك مئذنة الجامع الكبير التي يعود تاريخها إلى القرن 11، واستمرت المعارك بوتيرة متصاعدة حتى تدخل القوات الروسية عام 2015 لدعم الحكومة السورية واستعادة سيطرتها في العام التالي 2016.
وأفقدت الحرب حلب نسبة كبيرة من مكانتها الاقتصادية والثقافية، فنزح الآلاف من سكانها وتوقفت غالبية الأنشطة الاقتصادية وتضررت المعالم والمواقع الأثرية، العوامل نفسها جعلت الأمل كبيراً في أن إعادة الإعمار سيحيي دورها التاريخي والاقتصادي.
واليوم، تستمر حلب محوراً للصراعات الإقليمية والدولية، وذات أهمية بالغة في أي تسوية سياسية مستقبلية في سوريا، ودورها كبوابة للشمال السوري يجعلها أداة ضغط في يد الأطراف المتنازعة، سواء الحكومة والمعارضة في الداخل أو القوى الإقليمية والخارجية المتدخلة في البلاد.
ليست مدينة عادية
بالنسبة لهيئة تحرير الشام وفصائل الجيش الوطني المعارض، تتجاوز السيطرة على حلب كونها مجرد مكسب عسكري، فللأمر تداعيات جغرافية وسياسية واقتصادية واجتماعية تصل حد اعتبار المدينة بوابة لإعادة تعريف المشهد السوري.
وتمنح السيطرة على حلب فصائل المعارضة القدرة على التحكم بمفترق طرق استراتيجي يربط مناطق إدلب وريف حلب الشمالي، مع خطوط الإمداد عبر معبري باب الهوى وباب السلامة مع تركيا، ما يعزز من قدرة المعارضة على تأمين تدفق المساعدات والإمدادات العسكرية واللوجستية والإغاثية.
وفقدان قوات الحكومة السورية لحلب يعني تراجعها عن واحدة من أهم القلاع التي كانت تعتمد عليها في حماية مواقعها وسط وجنوب سوريا، ما يضعها في موقف دفاعي ويهدد خطوطها الخلفية. ومن منظور أوسع، تعني السيطرة على حلب فتح الفرصة أمام المعارضة للتقدم باتجاه ريف حماة وحمص وحتى دمشق، ما يعيد تشكيل خريطة الصراع.
وعسكرياً، تعتبر حلب بوابة لإعادة هيكلة القدرات القتالية لفصائل المعارضة، فالمدينة تحتوي على منشآت عسكرية ضخمة، بما في ذلك ثكنات ومطارات، مثل مطار حلب الدولي ومطار كويرس. وتتيح السيطرة على هذه المواقع للمعارضة فرصة تحويلها إلى قواعد تدريب ومعسكرات تنطلق منها عمليات عسكرية لاحقة.
كما أن ضعف دفاعات الجيش السوري وسقوط مواقعه بهذه السرعة يعكس خللاً كبيراً في بنيته العسكرية، وما قدمه حلفاؤه الروس والإيرانيون، ما قد يدفع الحكومة لمراجعة أولوياتها العسكرية وإعادة توزيع قواتها.
وسياسياً، تستعيد المعارضة عبر السيطرة على حلب حضورها القوي على الساحة بعد سنوات من التراجع لصالح الحكومة. وحلب ليست مدينة عادية، بل هي العاصمة الاقتصادية لسوريا، والسيطرة عليها تعيد الزخم للقضية السورية وتجعل المعارضة لاعباً أساسياً في أي مفاوضات مستقبلية.
واقتصادياً، تضم حلب مناطق صناعية كبرى، مثل الشيخ نجار والكلاسة، التي كانت تعد محركات الاقتصاد الوطني قبل الحرب. استعادة السيطرة على هذه المناطق تتيح للمعارضة فرصة إعادة تشغيل المنشآت الصناعية مع استغلال موقع المدينة ومطارها، ما يوفر مصدر دخل مستدام يمكن أن يقلل من اعتمادها على الدعم الخارجي.
وإذا نجحت المعارضة في إعادة تشغيل الخدمات الأساسية في حلب، مثل التعليم والصحة والكهرباء تأمين حياة كريمة للسكان، متعددي الثقافات، فإنها ستتمكن من تحويل حلب إلى نموذج يُحتذى به في المناطق الأخرى، ما يعزز فرصها في كسب تأييد السوريين وتشجيع نسبة من اللاجئين على العودة.
بالنسبة لتركيا وإيران
ولا تستطيع تركيا إخفاء دعمها للعمليات العسكرية تجاه حلب، فهي نفسها دفعت قوى المعارضة المسلحة قبل سنوات قليلة للتخلي عن مساحات واسعة لصالح القوات الحكومية.
وتمنح السيطرة على حلب تركيا ورقة ضغط جديدة ضد الحكومة في دمشق وحلفائها الروس والإيرانيين، وقد تستثمر هذا الانتصار لتعزيز موقفها في المباحثات الدولية المتعلقة بمستقبل سوريا، خصوصاً فيما يتعلق بالمنطقة الآمنة وإعادة اللاجئين.
كما تمثل حلب بوابة اقتصادية ذات أهمية بالغة لتركيا، حيث يمكنها أن تستفيد من إعادة ربط إنتاجها وتجارتها بمصالحها عبر التحكم في ممرات التجارة الحيوية الداخلية والإقليمية.
على الصعيد السياسي، تسعى أنقرة منذ سنوات لتحقيق نفوذ مستدام في شمالي سوريا لبناء واقع جديد يجعل من الصعب على الحكومة السورية إعادة بسط سيطرتها الكاملة على المنطقة عبر حلفاء محليين قادرين على إدارة تتوافق مع مصالحها. ويمكن ملاحظة أن الهدف التركي لا يقتصر على السيطرة العسكرية فقط، بل يشمل أيضاً العمل على تغيير البنية الاجتماعية والديمغرافية من خلال برامج إعادة التوطين.
وترى تركيا في حلب نقطة استراتيجية أيضاً لمواجهة النفوذ الكردي الذي تعتبره تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
ويمثّل الميثاق المللي المرجعية التاريخية التركية للحدود الجغرافية التي كانت تمثل الإمبراطورية العثمانية في أوج قوتها، وعلى الرغم من أن هذا الميثاق قد لا يكون محوراً علنياً في السياسة التركية الحالية، إلا أن هناك دلائل على أن بعض الأطراف داخل الحكومة التركية ترى في الوضع الراهن فرصة لإحياء بعض بنوده في سياق استراتيجياتهم التوسعية عبر استغلال الصراع في سوريا وبعض المطالب الإقليمية.
لكن هذه المخططات التركية عبر فصائل متشددة تحمل مخاطر كبيرة على وحدة سوريا الجغرافية والاجتماعية والسياسية، وتعميق الانقسامات بين المكونات المختلفة للشعب السوري، ما قد يؤدي إلى تفتيت الهوية الوطنية السورية.
كما تعيق المخططات التركية جهود التوصل إلى تسوية شاملة للصراع السوري، فالسيطرة على حلب تعني استمرار التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ، وإذا ما تغيرت الظروف الحالية سينتج التحدي المباشر للسيادة السورية مبررات لتقوية نفوذ أطراف أخرى، مثل روسيا وإيران، وهو ما سيطيل أمد الحرب ويزيد من معاناة المدنيين.
وبالنسبة لإيران، تشكل خسارة مدينة حلب ضربة قاسية على كافة المستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية، فهي تعني فقدان إحدى النقاط الحيوية لتوزيع الدعم العسكري واللوجستي الإيراني في سوريا، بالإضافة لخسارة الموارد الاقتصادية المهمة لمناطق سيطرة الحكومة والتي تعتمد عليها طهران في الانتشار والنفوذ.
وتحدّ هزيمة إيران في حلب من قدرتها على توجيه ضربات إلى منافسيها في الداخل السوري أو التدخلات الإقليمية عبر المجموعات الموالية لها في العراق ولبنان.
ومع الضغط الدولي، سيكون من الصعب الحفاظ على هذا نفوذ إيران في سوريا وسط تزايد التحركات العسكرية ضد جماعاتها ومواليها.
موقف روسيا
ولحلب أهمية بالغة بالنسبة للاستراتيجية الروسية في سوريا، فمن الناحية العسكرية، تمثل نقطة اتصال حيوية بين مناطق النظام السوري والمناطق الشمالية الغربية المحاذية للحدود التركية، كما أنها تتيح الوصول إلى معابر حيوية تربط مناطق الساحل السوري بمناطق الداخل السوري.
وسيطرة الحكومة على حلب كانت عاملاً أساسياً لضمان أمن قاعدة حميميم العسكرية التي تعد نقطة الانطلاق العسكرية الروسية الأساسية في البحر الأبيض المتوسط.
وكانت حلب رمزاً للنجاح العسكري الروسي الذي بدا متهاوياً اليوم، ففي عام 2016، كانت الحملة العسكرية الروسية على حلب إحدى العلامات الفارقة في تدخل موسكو المباشر في الحرب السورية، حيث نجحت في استعادة المدينة بعد معركة دموية مع فصائل المعارضة.
وعزز نجاح موسكو السابق في السيطرة على حلب موقفها التفاوضي بشأن الحل السياسي في سوريا، لكنها لعدة أسباب محتملة غضت النظر عن هجوم هيئة تحرير الشام والفصائل المعارضة المدعومة من تركيا على المدينة.
ويمكن تفسير غض النظر الروسي بالحاجة إلى التوازن في العلاقات مع تركيا التي تجمعها معها مصالح معقدة عالمياً، بالإضافة لمصالح مشتركة في الداخل السوري مثل إضعاف الكرد وقوات سوريا الديمقراطية التي تعتبرها موسكو حليفة للولايات المتحدة وتنظر لها تركيا كخطر على أمنها القومي.
لكن أهداف الجانبين قد تصل حد التناقض كموقفهما من بقاء الأسد، ويبدو أن موسكو قد فضلت مصالح استراتيجية على المدى البعيد في علاقاتها مع تركيا على مصلحة حليفها في دمشق.
وقد تستخدم موسكو السيطرة التركية على بعض المناطق كآلية للضغط على المعارضة السورية والمساهمة في تشكيل خريطة تفاوضية تجبرها على الجلوس مع الحكومة في إطار عملية سياسية تكون هي المشرف الرئيسي عليها. وبهذا تستطيع روسيا فرض شروطها في مفاوضات الحل النهائي في سوريا، مع ضمان استمرار دعم تركيا لمسارها.
هل تقبل موسكو هيئة تحرير الشام؟
تمثّل هيئة تحرير الشام تحدياً كبيراً للمصالح الروسية في سوريا، حيث تعتبرها موسكو منظمة إرهابية مدرجة على قوائم الإرهاب الدولية، كما أن وجود هذه الجماعة يعقّد أي جهود لحل النزاع السوري من جهة، ويشكل تهديداً أمنياً على المدى البعيد من جهة أخرى. وإذا ما استمرت الهيئة في السيطرة على مناطق حيوية مثل حلب، فمن المحتمل أن تزداد الضغوط الروسية على تركيا لتقليص نفوذ هذه الجماعة.
ورغم ذلك، قد تستمر روسيا في غض النظر عن وجود هيئة تحرير الشام في حال كانت هناك في المقابل صفقات محددة مع تركيا أو إذا خدمت مصالحها الأمنية والسياسية المؤقتة، على غرار ما حصل في إدلب من تفاهمات. لكن سيبقى الأمر في كل الأحوال مشروطاً بالتزام تركيا في تنفيذ خطط لإخراج الهيئة من المنطقة في وقت لاحق، سواء عبر عمليات عسكرية أو محادثات سياسية.
وتحتاج موسكو إلى استقرار الوضع في حلب لضمان إعادة الإعمار وتعزيز السيطرة على الطريق بين دمشق وتركيا، وبقاء الهيئة في المدينة سيكون عقبة أمام تنفيذ أي اتفاقات سياسية ذات طابع طويل الأمد، سواء على مستوى الحل السياسي الداخلي أو التفاوض مع المعارضة والمجتمع الدولي.
وإذا ما شعرت موسكو أن مصالحها في سوريا مهددة نتيجة استدامة سيطرة هيئة تحرير الشام أو أي فصيل آخر غير منضبط، فمن المتوقع أن تغير المعادلة في وقت لاحق، وحتى إن لم يكن بإمكانها تنفيذ هذا التغيير عبر عملية عسكرية مباشرة، فإن بإمكانها دفع تركيا للقيام بتحركات أكثر فعالية ضد الهيئة.
ولكن روسيا في النهاية ستسعى لتجنب التصعيد المباشر مع تركيا، لذا قد تختار دعم تفاهمات تجبر الأطراف المعنية على التوصل إلى حل سياسي أو عسكري لا يتعارض مع مصالح موسكو في المنطقة.
خلاصة
تضمن مكانة حلب دوراً حيوياً لها في مستقبل سوريا والمنطقة بشكل عام، والسيطرة عليها تبقى أكثر من مجرد انتصار عسكري آني، بل هي انطلاق لمرحلة جديدة قد تعيد تشكيل المشهد السياسي والعسكري السوري عموماً.
وإذا تمكنت فصائل المعارضة من الحفاظ على مكتسباتها العسكرية وترسيخ وجودها في المدينة، قد تتحول حلب إلى عاصمة سياسية واقتصادية للمعارضة في الشمال السوري. وهذا قد يمهد الطريق لتأسيس جيش نظامي وحكومة موحدة تحت مظلة المعارضة، ما يفتح المجال لتشكيل نموذج إداري مستقل بعيد عن نمط مناطق سيطرة مشتتة بحسب العمليات التركية.
ويُدخل هذا التقدم فصائل المعارضة إلى مرحلة جديدة من النفوذ والقدرة على التأثير في مستقبل سوريا، حيث تصبح حلب بمثابة مفتاح لإعادة تشكيل المعادلة السورية برمتها، ما يمنحها دوراً محورياً في تحديد مسار الأحداث السياسية والعسكرية في البلاد.
لكن أفق الحل والتفاهمات لمعارضة فاعلة مستقبلاً تعود وتصطدم أو تسير وفق سعي تركيا لتعزيز دورها الإقليمي وتأمين موقعها في مستقبل سوريا بما يتماشى مع مصالحها الاستراتيجية التي تطرح تحديات كبيرة لوحدة سوريا، حيث تزيد من الانقسامات الداخلية وتخلق قضايا جغرافية واجتماعية قد يصعب تجاوزها في المستقبل.
وإذا كانت روسيا قد قبلت بتغيير معادلة الصراع في سوريا، فإن ذلك سيكون في إطار توافقات استراتيجية مع تركيا والدول الغربية، بحيث يتم ضمان مصالحها الأمنية والاقتصادية في سوريا. هذا التوجه سيتيح لها أيضاً تعزيز موقعها على الساحة الدولية كقوة مؤثرة في إعادة تشكيل استقرار طويل الأمد بما يتماشى مع مصالحها الحيوية في سوريا، لا سيما في مجال الطاقة والنفوذ العسكري.
