في تحول ميداني سريع وغير متوقع، سيطرت فصائل المعارضة السورية بقيادة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، تحت مظلة غرفة عمليات “الفتح المبين”، هجوماً استراتيجياً نحو مدينة حلب، ما أدى إلى تغير مفاجئ في توازن القوى على الأرض. المعركة التي أُطلق عليها اسم “ردع العدوان” فرضت نفسها كعنصر مفاجئ في مسار الصراع السوري، الذي كان قد شهد فترة من الهدوء النسبي منذ التفاهمات الروسية-التركية عام 2020.
وأسفر التقدم السريع إلى حلب عن إرباك القوات الحكومية التي خرجت من المدينة، وسط تدخل محدود لحلفائها الروس والإيرانيين، حيث تمكّنت هيئة تحرير الشام وفصائل المعارضة من تغيير المعادلات الميدانية بشكل دراماتيكي.
وأعلنت غرفة عمليات “الفتح المبين” أن الهجوم يهدف إلى الدفاع عن المناطق المحررة وإضعاف نفوذ القوات الحكومية في الشمال الغربي. ورغم أن المعارضة لم تعلن رسمياً نيتها السيطرة الكاملة على حلب، لكن الإعلان عن عملية بلا حدود جغرافية يفتح المجال لتكهنات حول أهداف أبعد قلبت المعادلة العسكرية في المدينة لصالح المعارضة التي تسيطر على حي تلو الآخر.
وتثير المعركة تساؤلات حول الأسباب والدوافع وراء إطلاقها في هذا التوقيت الحساس، ما يفتح المجال للبحث في السيناريوهات المحتملة التي قد تفسر خلفيات الهجوم المفاجئ والسريع.
ضغط على الأسد بدعم غربي
في ظل التطورات العسكرية التي تشهدها مدينة حلب ومحيطها، يبدو أن معركة “ردع العدوان” ليست مجرد مواجهة ميدانية بين المعارضة والحكومة السورية، بل تحمل رسائل سياسية معقدة موجهة إلى عدة أطراف إقليمية ودولية. هذه العملية تبدو، في سياقها الأوسع، انعكاساً لصراع الإرادات بين تركيا وروسيا والحكومة السورية، إضافة إلى محاولات الغرب ممارسة ضغط على دمشق لدفعها نحو الانخراط في مسار سياسي أكثر مرونة.
ومن المرجح أن يكون التحرك العسكري لهيئة تحرير الشام وفصائل المعارضة، المدعومة من تركيا، جزءاً من استراتيجية أنقرة للضغط على الحكومة السورية وحليفها الروسي، بعد تعثر محاولات أنقرة للتقرب من دمشق، حيث اشترط الرئيس السوري بشار الأسد انسحاب القوات التركية من الأراضي السورية للقبول بأي مفاوضات مباشرة. هذا التعنت السوري، إلى جانب فشل جولة “آستانا 22″، كان أحد أسباب دفع تركيا إلى استعراض قوتها عبر أدواتها العسكرية في الشمال السوري.
ويرى الباحث والمحلل السياسي الدكتور مالك الحافظ، في تصريح خاص لمجلة Defacto “، أن لتركيا دور أساسي في التصعيد الحاصل، فهي تريد الاستثمار في تطورات المرحلة الحالية وتحقيق بعض من أهدافها الخارجية الإقليمية، إذ تسعى لاستثمار التقهقر الإيراني في سوريا لتدعيم نفوذها ومصالحها حتى تجبر دمشق على الجلوس إلى طاولة المفاوضات حتى إن كانت لا تملك الكثير من الأوراق الرابحة.
وأضاف: “إذاً أنقرة هي المستفيد السياسي الأكبر بل وحتى الأوحد من العملية العسكرية الأخيرة، بالمقابل فإن أحجار الشطرنج السورية التي حركتها أنقرة حتى وإن لم تحقق نجاحات ميدانية في المدى المنظور، فهي على الأقل ستدفع الأسد للتراجع عن تعنته غير المفهوم في مسألة الجلوس مع أردوغان على طاولة واحدة”.
ويبدو أن تركيا تُظهر من خلال دعمها لهذه العملية أنها قادرة على فرض تكاليف عسكرية وسياسية على الحكومة السورية وروسيا، بهدف تسريع الجمود السياسي، كما أنها تراهن على أن روسيا، المنهمكة في حربها في أوكرانيا، لن تتمكن من تقديم دعم ميداني مكثف لقوات الحكومة السورية كما كان عليه الحال في مواجهات سابقة. وبالإضافة إلى ذلك، تواجه إيران، الحليف الثاني لدمشق، تحديات كبيرة نتيجة الضربات الإسرائيلية المتكررة على مواقعها في سوريا، ما يقلل من قدرتها على الردع.
ولا يمكن فصل التصعيد الأخير عن حسابات الغرب، لا سيما الولايات المتحدة وأوروبا، التي تسعى لاستغلال أي فرصة لممارسة أقصى درجات الضغط على الحكومة السورية. والهدف الأساسي للغرب يتمثل في دفع حكومة دمشق للابتعاد عن الهيمنة الإيرانية والتسريع في تطبيق القرار الأممي 2254، الذي ينص على انتقال سياسي شامل في سوريا.
ويبدو أن الغرب قد منح ضمنياً ضوءاً أخضر لهذه العملية، خاصة وأنها تأتي في وقت باتت فيه الميليشيات الإيرانية ضعيفة ومشتتة نتيجة الضربات الإسرائيلية. وقد يخدم وجود مواجهة مباشرة بين المعارضة والحكومة في مناطق يتواجد بها دور إيراني، الأجندة الغربية عبر إيصال رسالة للأسد بضرورة إعادة تقييم تحالفاته الإقليمية.
أما بالنسبة لهيئة تحرير الشام وفصائل المعارضة السورية، فهي تدرك تماماً أنها تعمل في ظرف دولي مواتٍ نسبياً، حيث انشغال روسيا في جبهات أخرى وضعف إرادتها في مواجهة تركيا، وضعف إيران العسكري والسياسي نتيجة الضربات المتكررة، يجعل من هذا التوقيت مثالياً لتنفيذ الهجوم على حلب.
وبلا شك، تعيد هذه التحركات إحياء الضغط السياسي والعسكري على الحكومة السورية، مع التركيز على استغلال الظروف الدولية لإضعاف النفوذ الإيراني في سوريا. فالمعارضة تراهن على أن هذا الهجوم لن يلقى اعتراضاً دولياً كبيراً، بل ربما يكون هناك دعم ضمني، خاصة إذا نظر إليه الغرب كوسيلة للضغط على الأسد.
ويبدو أن تركيا تسعى إلى إعادة تشكيل بنية المعارضة السورية المسلحة في شمال غربي سوريا بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية، ويبدو أن هيئة تحرير الشام تقف في صلب هذه الرؤية كعنصر رئيسي لتحقيق التوازن المطلوب. وتحمل معركة “ردع العدوان”، إلى جانب أبعادها العسكرية، إشارات قوية لمحاولة أنقرة توجيه رسالة سياسية تهدف إلى تعزيز نفوذ الهيئة وشرعنتها، وتحويلها من قوة مصنفة كإرهابية إلى فاعل محلي معتدل قادر على قيادة المعارضة السورية.
وفي السنوات الأخيرة، عمد زعيم هيئة تحرير الشام، أبو محمد الجولاني، إلى إجراء تغييرات كبيرة في هيكلية وسلوكيات الهيئة، ساعياً إلى إبعادها عن صورتها كتنظيم جهادي متطرف وعابر للحدود. بدلاً من ذلك، عمل على تقديمها كجماعة سورية محلية ذات أهداف سياسية وعسكرية محدودة. هذا التحول يبدو متماشياً مع أجندة تركيا، التي تسعى إلى إعادة تقديم الجولاني كقائد جديد للمعارضة السورية، في ظل الفشل المتكرر لتوحيد فصائل الجيش الوطني السوري تحت قيادة موحدة.
ودعم تركيا للهيئة في معركة ضد الحكومة السورية ليس مجرد خطوة عسكرية، بل هو جزء من خطة أوسع لتمكينها من لعب دور سياسي وعسكري رئيسي في المرحلة المقبلة، فتحقيق الهيئة لانتصارات ميدانية سيعزز من صورتها كقوة قادرة على الدفاع عن المناطق المحررة، وهو ما قد يؤدي إلى جذب المزيد من الفصائل السورية إلى صفوفها أو قبول هيمنتها، خاصة الفصائل التي أظهرت تمرداً على تركيا في مناطق مثل الباب وأعزاز وجرابلس. وفي هذا السياق، قد تكون تركيا تراهن على تحويل الهيئة إلى العمود الفقري للمعارضة المسلحة في الشمال السوري، وهو ما قد يمكنها من فرض سيطرتها الكاملة على المشهد هناك.
وعلى الصعيد الدولي، تبدو الولايات المتحدة وأوروبا أكثر انفتاحاً على إعادة تقييم موقفهما من هيئة تحرير الشام، لا سيما إذا نجحت في تحقيق أهداف تتوافق مع مصالحهما، مثل مواجهة النفوذ الإيراني وإضعاف الحكومة السورية. تصريحات وزارة الخارجية الأمريكية في مايو 2023 بشأن “تطور” الهيئة تمثل إشارة واضحة إلى إمكانية إعادة النظر في تصنيفها، خاصة إذا تمكنت من إثبات دورها كقوة محلية معتدلة. قد تستغل تركيا هذا التحول الدولي المحتمل لإقناع الغرب بدعم خطتها في شمال سوريا، ما يعزز من موقفها الإقليمي ويمنحها دوراً أكبر في إدارة الملف السوري.
مصلحة إسرائيلية تركية
من الواضح أن توقيت وتكتيك المعركة التي أطلقتها هيئة تحرير الشام وفصائل المعارضة السورية على مدينة حلب يحملان إشارات إلى احتمال وجود تنسيق أو دعم استخباراتي تركي-إسرائيلي مشترك، في إطار استهداف الحكومة السورية وتقويض النفوذ الإيراني في سوريا. هذا السيناريو يكتسب ثقلاً بالنظر إلى التطورات الإقليمية الأخيرة التي توحي بتكثيف الجهود لاحتواء إيران وإضعاف أدواتها في المنطقة، بما في ذلك سوريا وحزب الله.
وتمثّل زيارة رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) إلى تركيا ولقاؤه برئيس الاستخبارات التركية، قبل أسبوعين من بدء المعركة، أحد المؤشرات المهمة على إمكانية وجود تنسيق بين الطرفين، كما أن تزامن هذه الزيارة مع تصاعد الهجمات الإسرائيلية ضد الميليشيات الإيرانية في سوريا يعزز من فرضية أن إسرائيل قد لعبت دوراً في تحفيز تركيا على فتح جبهة الشمال. الهدف الإسرائيلي هنا قد يكون دفع الميليشيات الإيرانية المتمركزة في الجنوب السوري إلى الانسحاب نحو الشمال لحماية قوات الحكومة، ما يؤدي إلى تشتيت جهودها وتقويض قدرتها على دعم حزب الله في لبنان أو تعزيز نفوذها في مناطق الجنوب السوري قرب الحدود الإسرائيلية.
وجاء توقيت الهجوم على حلب في لحظة حرجة عقب الضربة الإسرائيلية الكبرى التي استهدفت تدمر، والتي أسفرت عن خسائر فادحة في صفوف الميليشيات الإيرانية والقوات الحكومية. هذه الضربة، التي ربما تضمنت استهداف قيادات مهمة في غرفة العمليات المشتركة بين دمشق وطهران، أضعفت التنسيق بين الأطراف الموالية والحليفة وخلقت حالة من الإرباك. بالتالي، فإن هجوم هيئة تحرير الشام في هذه اللحظة يبدو وكأنه استغلال ذكي لضعف مؤقت في المنظومة العسكرية للقوات الحكومية، وقد يكون تم بتشجيع أو دعم استخباراتي غير مباشر من إسرائيل.
وهذا ما أشار إليه الكاتب والباحث السياسي ناصر الحسين، الذي قال في تصرح خاص، لمجلة “Defacto”: “لا يسعنا إلا أن نربط معركة ردع العدوان بالتطورات الإقليمية، إذ أن اسرائيل تهدد بأن الدور قادم على سوريا وأنها مشموله بالتغيير الاستراتيجي في المنطقة وهذا ما تنبهت له تركيا، وأردوغان شخصياً نبه بشار الأسد في رسالة مفتوحة، وبوتين أيضاً حذر الأسد من أن التصعيد قادم إلى سوريا وقد يُحدث أموراً حساسة جداً”.
ومن جهة أخرى، يمكن أن تكون هذه المعركة جزءاً من اتفاق إقليمي أوسع بين تركيا وإسرائيل، فتركيا تسعى إلى كسر عزلتها السياسية واستعادة دورها كوسيط فعال في الأزمات الكبرى، مثل ملف غزة، خاصة بعد تراجع دور قطر في الوساطة مع إسرائيل. وإسرائيل، بدورها، قد تجد في تركيا شريكاً مهماً للتأثير على المعارضة السورية وضمان الحد من النفوذ الإيراني في سوريا. وبالتالي يمكن أن تكون تركيا قد ساهمت ف هذه الجهود بفتحها جبهة الشمال، فالهجوم يدعم مصالح إسرائيل ويضغط على الأسد لتقليص تعاونه مع طهران.
ويضيف توقف الحرب في لبنان، وتكثيف الضربات الإسرائيلية على المعابر الحدودية بين سوريا ولبنان لعرقلة إمدادات حزب الله، بُعداً مهماً لهذه الفرضية، إذ يبدو أن إسرائيل تستغل الوضع الإقليمي المتوتر لإرسال رسائل تهديد واضحة للحكومة السورية. وتصريحات بنيامين نتنياهو التي وصف فيها الأسد بأنه “يلعب بالنار” جاءت كتحذير مباشر، وقد تكون مرتبطة بشكل غير مباشر بالتصعيد في الشمال السوري. الرسالة هنا واضحة: إذا استمرت حكومة دمشق في تسهيل عمليات تهريب السلاح إلى حزب الله، فإن إسرائيل مستعدة لتصعيد الضغط على الأسد حتى في المناطق التي يظن أنها بعيدة عن مدى تدخلها التقليدي.
الهجوم على حلب، من جهة أخرى، يمكن أن يُقرأ كجزء من استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل ديناميكيات الصراع في سوريا. إسرائيل، التي سعت في السنوات الأخيرة إلى إضعاف النفوذ الإيراني دون الدخول في مواجهة مباشرة شاملة، قد تجد في دعم المعارضة السورية حلاً فعالاً لدفع الحكومة السورية باتجاه الانفصال عن إيران. وقد تكون تركيا، التي ترغب في تعزيز دورها في الملف السوري، الشريك المثالي لإسرائيل في تحقيق هذا الهدف.
في ضوء كل هذه العوامل، يبدو أن التصعيد الأخير قد لا يكون مجرد خطوة عسكرية عادية من المعارضة السورية، بل جزءاً من لعبة إقليمية أكبر. إذا صحت هذه الفرضية، فإن ما نشهده هو تحرك استراتيجي مدروس يهدف إلى إعادة رسم معادلات القوة في سوريا، ودفع الحكومة السورية إلى اتخاذ قرارات صعبة تتعلق بموقفها من إيران ومستقبلها السياسي.
أهي صفقة تركية روسية؟
تبدو فكرة أن المعركة الحالية في حلب قد تكون جزءاً من صفقة غير معلنة بين تركيا وروسيا سيناريو محتملاً ينسجم مع التحركات السياسية والعسكرية الأخيرة في سوريا. وفي هذا الإطار، قد تكون تركيا وروسيا بصدد إعادة توزيع النفوذ في سوريا، تمهيداً لتقسيمها على أسس طائفية وإقليمية بما يضمن مصالح الطرفين ويتيح الانتقال إلى حل سياسي أكثر استقراراً.
وضمن هذا السيناريو، قد تسمح روسيا لتركيا السيطرة على مدينة حلب وما تبقى من شمال سوريا كجزء من منطقة النفوذ التركي، مقابل ضمان نفوذ موسكو في الساحل السوري والمناطق الوسطى، بما في ذلك دمشق. هذه المقايضة يمكن أن تحقق توازناً جديداً في الساحة السورية، خاصة مع تعمق الخلافات بين روسيا وإيران حول شكل إدارة الصراع السوري ومناطق النفوذ فيه. معركة حلب قد تكون إذاً الخطوة الأولى في إطار هذا المخطط، حيث يتم تمكين تركيا والفصائل المدعومة منها من توسيع سيطرتها على حساب الميليشيات الإيرانية والقوات الحكومية، خاصة في المناطق التي تملك فيها إيران نفوذاً متزايداً، مثل حلب.
وفي هذا السياق يرى الباحث والمحلل السياسي، الدكتور مالك الحافظ “إن تركيا تعتبر أن هذه العملية هي مرحلة أولى من تجديد للصراع العسكري على الأراضي السورية، وستكون هناك مرحلة ثانية لاحقة تشمل مناطق شمال وشرق سوريا، وهذا هدف تركي قديم سيتجدد بزخم عال بعد تنصيب دونالد ترامب في ولايته الثانية في البيت الأبيض. فأنقرة تعرف موقف ترامب وإداراته من وجودهم العسكري في سوريا، وفي الوقت نفسه تلعب على عامل تراجع القوة العسكرية الإيرانية في سوريا والمنطقة بعد الضربات الإسرائيلية في مناطق عدة، بالمقابل هناك استمرار للغوص الروسي في المستنقع الأوكراني ولا أفق واضح حتى الآن لمجريات الأمور هناك”.
إلا أن هذا السيناريو قد لا يحظى بدعم أميركي وغربي ضمنياً، فيما يمكن لواشنطن وحلفاءها أن يفضلوا رؤية قوى محلية أو إسلامية سنية مدعومة من تركيا تسيطر على مناطق استراتيجية مثل حلب، بدلاً من أن تقع تحت النفوذ الإيراني. السيطرة الإيرانية على حلب تمثل تحدياً كبيراً للولايات المتحدة وإسرائيل، وبالنظر إلى موقع المدينة كحلقة وصل مهمة في شبكة الإمداد الإيرانية الممتدة من طهران إلى بيروت عبر دمشق. لذلك، فإن تحفيز تركيا لقيادة المعارضة السورية باتجاه السيطرة على حلب قد يكون خطوة لتقليص هذا النفوذ وقطع خطوط الإمداد الإيرانية.
ما يدعم هذه الفرضية هو التوجه المحتمل للفصائل المدعومة من تركيا، مثل هيئة تحرير الشام، للتوسع بعد حلب نحو مناطق البادية السورية التي تشهد انتشاراً لتنظيم “داعش”. إذا سيطرت الفصائل المعارضة و”داعش” على تلك المناطق، فستتمكن من تشكيل حزام استراتيجي يقطع طريق الإمداد بين إيران وسوريا ولبنان، ما يشكل ضغطاً كبيراً على المحور الإيراني ويضعف قدرته على تعزيز وجوده العسكري في المنطقة.
أما روسيا، التي تسعى لتحقيق الاستقرار في سوريا وضمان نفوذها بعيداً عن التنافس مع إيران، فقد ترى في هذه الصفقة فرصة لتعزيز موقعها كلاعب رئيسي ينسق مع تركيا والغرب، في وقت تواجه فيه تحديات داخلية وضغوطاً دولية بسبب حربها في أوكرانيا. ومن خلال هذا التفاهم، يمكن لروسيا ضمان مصالحها الاستراتيجية في سوريا دون الانخراط في صراعات استنزافية مع إيران أو المعارضة المسلحة.
وهذا ما يشير إليه الباحث والمحلل السياسي الدكتور مالك الحافظ: “روسيا، بعد تثبيت الأمور الميدانية في سوريا، لا ترغب في استمرار النفوذ الإيراني، خاصة أنه يثير استياء إسرائيل والولايات المتحدة. فمن جهة، تسعى روسيا للحفاظ على علاقاتها مع إسرائيل، ومن جهة أخرى، لا تريد أن توفر الولايات المتحدة ذرائع لتقويض وجودها في سوريا”.
ويضيف الحافظ: “لكن في الوقت نفسه، روسيا لن تسمح لتركيا بتقويض أي اتفاقات مشتركة بشأن الشمال السوري. روسيا لا بد أن تدعم دمشق، ولكنها تريد من إيران فهم مغزى هذا التصعيد بما يتماشى مع الخطط الاستراتيجية الروسية في سوريا. لذا، من المتوقع أن يستمر التدخل الروسي الجوي في الأيام القادمة لدعم الجيش السوري في مواجهة التصعيد”.
وعلى المستوى السياسي، قد تمهّد مثل هذه الصفقة الطريق لإطلاق مرحلة جديدة من المفاوضات حول مستقبل سوريا، قائمة على فكرة تقاسم النفوذ بين القوى الفاعلة. فتقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ طائفية وإقليمية قد يصبح الحل الواقعي الوحيد لإنهاء الصراع الطويل، مع بقاء الحكومة السورية مسيطرة على الساحل والوسط تحت حماية روسية، بينما تهيمن تركيا والفصائل المدعومة منها على الشمال، ويصبح الجنوب تحت إدارة قوى محلية مدعومة من الولايات المتحدة وحلفائها. بالإضافة إلى قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا.
هل تكون المعركة الأخيرة للجماعات المتشددة؟
السيناريو الذي يفترض أن المعركة الحالية قد تكون المعركة الأخيرة لهيئة تحرير الشام والجماعات الراديكالية في سوريا يبدو محتملاً بالنظر إلى سياق الأحداث والاعتبارات الاستراتيجية التي تحكم تحركات الأطراف المختلفة في النزاع السوري. والسماح لهيئة تحرير الشام بالتوسع السريع والمفاجئ في حلب قد يكون مدروساً من جانب روسيا والحكومة السورية، بهدف توفير ذريعة مقبولة محلياً ودولياً لشن عملية عسكرية واسعة النطاق ضدها، تستهدف إخراجها من إدلب بشكل نهائي.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور مالك الحافظ، أن ضم مدينة حلب بشكل نهائي لسيطرة المعارضة “شبه مستحيل ولا يتماشى مع أي تحليل استراتيجي منطقي على المدى المتوسط. فذلك يعني إلغاء أي حضور استراتيجي لروسيا في سوريا، وكذلك لنظام دمشق، وهو أمر مستبعد أن يقبلا به. لا ننسى أنه حتى في أوج قوة المعارضة وأصعب أيام الجيش السوري وحكومته، لم تستطع المعارضة السيطرة الكاملة على المدينة الاستراتيجية”.
ويرجّح الحافظ أن تستمر التوترات في شمال غرب سوريا. التصعيد الأخير لن يُطفأ باتفاقات وقف إطلاق نار أو بانسحاب النفوذ الإيراني من المنطقة، وسيتحدد الواقع بين سيناريوهين: إما أن تمتص قوات الجيش السوري الصدمة، بدعم روسي، وتنفذ هجوماً واسعاً يشمل مناطق جديدة في ريفي حلب وإدلب، أو أن تتراجع الجماعات المسلحة المحسوبة على المعارضة إلى خطوط ما قبل المعركة، ويجلس الأسد وأردوغان على طاولة المفاوضات المباشرة برعاية روسية”.
ومن المثير للانتباه أن المعركة انطلقت بشكل رسمي بقيادة هيئة تحرير الشام، المصنفة كتنظيم إرهابي دولياً، بدلاً من فصائل المعارضة الأخرى أو الجيش الوطني السوري، ما يثير تساؤلات حول الدوافع خلف ذلك. لماذا لم تعمل تركيا، التي تدعم هذه الفصائل، على تقديم هيئة تحرير الشام ضمن غطاء سياسي للمعارضة يمنحها قبولاً دولياً أكبر؟ الإجابة قد تكمن في أن تركيا، التي تواجه ضغوطاً دولية متزايدة لتطبيق بنود اتفاقيات آستانا وتصنيف الجماعات المسلحة في الشمال السوري بين معتدلة ومتطرفة، تجد في هذه المعركة فرصة للخروج من مأزق معقد. تركيا لم تتمكن من إخراج الجماعات المتطرفة من إدلب بالقوة، كما أنها لا ترغب في خوض مواجهة مباشرة مع هيئة تحرير الشام.
ومن هذا المنطلق، قد تكون هذه الأحداث فرصة لتركيا لرفع الحرج عن نفسها أمام المجتمع الدولي. وبعد هذه المعركة، يمكن لأنقرة أن تتنصل من مسؤولية الدفاع عن هيئة تحرير الشام أو إدلب، بحجة أن الهيئة لم تلتزم باتفاقيات وقف إطلاق النار ولم تتماشَ مع مقتضيات الحلول السياسية. هذا السيناريو قد يسمح لتركيا بإعادة ترتيب أوراقها، من خلال تطبيع علاقاتها مع الحكومة السورية، واستعادة السيطرة على إدلب بشكل غير مباشر، وربما استخدام ذلك كجزء من خطة لإعادة اللاجئين السوريين إلى المناطق التي تعتبرها آمنة.
وبالإضافة إلى ذلك، قد تسعى تركيا إلى الاستفادة من هذا التحول عبر التعاون مع روسيا والحكومة السورية في قضايا أخرى ذات أولوية، مثل محاربة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أو حتى الحصول على تنازلات منها مثل تسليم منطقة تل رفعت، التي تشكل أهمية استراتيجية كبيرة لأنقرة، مقابل إدلب.
أما من جهة الحكومة السورية وروسيا، فإن السماح لهيئة تحرير الشام بالتقدم السريع واحتلال مناطق جديدة قد يكون خطة محسوبة لاستدراجها إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة، تُستثمر لاحقاً لتبرير عملية عسكرية واسعة النطاق ضدها. السيناريو يشبه ما حدث مع حركة حماس بعد عملية “طوفان الأقصى” في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حيث استغلت إسرائيل الهجوم لتبرير ردود فعل عنيفة وللحصول على دعم دولي واسع.
وإذا ما ارتكبت هيئة تحرير الشام انتهاكات جسيمة خلال معركة “ردع العدوان”، قد يُستخدم ذلك كذريعة دولية للقضاء عليها، ما يمنح الحكومة السورية وحلفاءها شرعية أكبر في تنفيذ عملية واسعة ضدها، مع دعم أو على الأقل غض نظر دولي، وربما دعم غربي مستتر، مشابه لما حصل في قطاع غزة.
خلاصة:
إذا لم يكن هناك اتفاق أو صفقة بين تركيا وروسيا والحكومة السورية بشأن تسليم حلب للمعارضة، فإن الحكومة قد تجد نفسها مضطرة للبحث عن تحالفات بديلة لمواجهة التوسع السريع لهيئة تحرير الشام. وقد تنظر لقوات سوريا الديمقراطية كخيار محتمل للتعاون، خاصة أن الطرفين يشتركان في مصلحة منع هيئة تحرير الشام والمعارضة المدعومة من تركيا من تحقيق مكاسب استراتيجية في الشمال السوري.
وعلى الجانب الآخر، إذا كان الهجوم الحالي على حلب قد تم بضوء أخضر من الولايات المتحدة أو الغرب أو حتى إسرائيل، فمن غير المرجح أن يُسمح لتركيا أو هيئة تحرير الشام بتوسيع عملياتها العسكرية لتشمل مناطق قوات سوريا الديمقراطية مثل تل رفعت ومنبج، أو حتى الأحياء الكردية في حلب مثل الشيخ مقصود والأشرفية. يبدو أن هناك حدوداً مرسومة لهذه المعركة، تتسق مع تفاهمات دولية تهدف إلى احتواء الصراع ومنع تصعيده إلى مواجهة أوسع تشمل الكرد.
هذا الموقف يتضح من طبيعة التدخل التركي المحدود حتى الآن، حيث لم تقدم تركيا على شن غارات جوية أو قصف أرتال قوات قسد المتجهة إلى الأحياء الكردية في حلب. علاوة على ذلك، إعلان تركيا أن العملية “محدودة” يعكس وجود قيود مفروضة على تحركاتها، ربما بناءً على توافقات مع الولايات المتحدة أو أطراف دولية أخرى. هذه القيود قد تشمل عدم السماح لهيئة تحرير الشام بمهاجمة المناطق الكردية أو ارتكاب انتهاكات واسعة النطاق قد تؤدي إلى تداعيات سياسية دولية.
ومن المثير للاهتمام، أن هناك إشارات إلى احتمال تفاهم غير معلن بين هيئة تحرير الشام وقوات سوريا الديمقراطية لتجنب التصادم المباشر بينهما. هيئة تحرير الشام قد تكون مدركة لخطورة تكرار سيناريو “داعش” مع الكرد، خاصة إذا كانت تسعى لإعادة تشكيل صورتها أمام المجتمع الدولي والولايات المتحدة. هذا الطموح للتقرب من الغرب قد يدفعها إلى الامتناع عن مهاجمة المناطق الكردية وارتكاب انتهاكات قد تعزز صورتها كتنظيم إرهابي.
وما يعزز هذا الاحتمال هو السلوك الإعلامي لزعيم هيئة تحرير الشام، أبو محمد الجولاني، الذي ظهر في مقطع مصور يقدم توجيهات لقادة فصائله بعدم التعرض للمدنيين وحمايتهم. على الرغم من أن المقطع يبدو مدروساً ويميل إلى التمثيل، إلا أنه يحمل رسائل واضحة للسوريين والغرب على حد سواء. الجولاني يحاول عبر هذا السلوك أن يقدم هيئة تحرير الشام كقوة معتدلة نسبياً مقارنة بتنظيمات مثل “داعش”، ويهدف إلى تحسين فرص الهيئة في الحصول على اعتراف دولي ورفع اسمها من قوائم الإرهاب.
في نهاية المطاف من غير المستبعد، أن يكون مصير هيئة تحرير الشام بعد معركة “ردع العدوان” مشابهاً لمصير حركة “حماس” بعد “طوفان الأقصى”، حيث يتم استغلال تصرفاتها لشن هجوم شامل يهدف إلى استئصالها. هذا السيناريو يعيد تشكيل المشهد في الشمال السوري، بما يخدم أجندات روسيا وتركيا والحكومة السورية، ويمهد الطريق لحل سياسي يعيد توزيع النفوذ الإقليمي في سوريا وفقاً لمصالح الأطراف الرئيسية.
