هوگر العبدو*
أثار فوز دونالد ترامب بولاية رئاسية جديدة في الولايات المتحدة مخاوف الكرد السوريين مجدداً، خصوصاً النازحين الذين لم ينسوا فترة ولايته السابقة عندما قرر تركهم في مهب الاجتياحٍ التركي عبر الضوء الأخضر الذي منحه للرئيس التركي رجب أردوغان، والذي رأى فيه سياسيون أميركيون خطأً أضرّ بالكرد ومصالح الولايات المتحدة أيضاً.
وخلّف النزوح القسري للسكان الأصليين وغالبيتهم من الكرد في أعقاب الغزو التركي في تشرين الأول/ أكتوبر 2019 معاناة لدى سكان منطقة الإدارة الذاتية وشعوراً بأنهم تعرضوا للخيانة من حليفهم الرئيسي في محاربة الإرهاب، وأدركوا أن المصالح لم تكن متبادلة بالقدر الذي كانوا يأملون.
هذه الأيام، يجلس محمد حمادة البالغ 20 عاماً بين الخيام في مخيم تل السمن بمنطقة الرقة، مع هواجسه بعد وصول أنباء فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة إلى مسامع النازحين هنا، إذ يخشى بعضهم من نزوح آخر.
يقول لــDefacto إن “الناس هنا لديهم قلق حيال نوايا أردوغان بعقد صفقة مع ترامب لشن هجوم آخر. لقد تركنا ترامب في السابق، ونأمل ألا يفعل ذلك مرة أخرى”.
“النزوح قاس.. لا أتمناه لأحد”
وأصبحت حياة المخيمات والتنقل بينها كابوساً لكثيرٍ من النازحين الذين فقدوا منازلهم وممتلكاتهم ومصادر دخلهم، ويعانون الآن من نقص المواد الأساسية كالسلع الغذائية والمياه النظيفة، وسط نقص الرعاية الصحية وشح المساعدات الإغاثية.
ومنذ العملية العسكرية التركية “نبع السلام” عام ٢٠١٩، يعيش حمادة مع عائلته المكونة من ثمانية أفراد في خيمة لا تقيهم حتى من الحرّ والبرد، ويرى أن حاله حال أكثر من 200 ألف ممن أجبروا على ترك أراضيهم ومنازلهم.
وتمثل الظروف الجوية للشتاء أوقات محنة للعائلات النازحة، “الشتاء قاسٍ. تمتلئ خيامنا بالمياه، عندما تهطل الأمطار ولا نستطيع فعل شيء. أجبرنا على النزوح وترك قرانا وأراضينا وكان ذلك صعباً للغاية”.
يضيف الشاب الذي قضى أكثر من نصف سني عمره في ظل الحرب وربعها كنازح: “حياة المخيمات صعبة، أتمنى ألا يحدث شيء مشابه لما حصل معنا للآخرين”.
ويعزّز فوز ترامب آمال تركيا في مواصلة خططها التوسعية شمالي سوريا، فمنذ الساعات الأولى لإعلان فوزه يتسابق المسؤولون الأتراك وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب أردوغان لإعطاء رسائل ترسم سيناريو انسحاب أميركي من سوريا.
ومع اقتراب عودته إلى البيت الأبيض في ٢٠ كانون الثاني/ يناير ٢٠٢٥، تزداد مخاوف الكرد والعرب والمسيحيين والإيزيديين في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية من مواجهة هجوم تركي آخر بمفردهم، بعد أن أطاحت تجربة اجتياح سري كانيه/ رأس العين وتل أبيض عام 2019 بثقتهم في التزام واشنطن بحماية شركائها في الحرب ضد “داعش”.
رغم ذلك، يستبعد الصحفي عبدالحليم سليمان، وهو مراسل إندبندنت عربية، أن ينجح أردوغان مجدداً في إقناع ترامب بشن عملية عسكرية جديدة ضد الكرد بسبب التغيرات على الأرض واتفاقي وقف إطلاق النار بين تركيا وأميركا وتركيا وروسيا، والتي تمنع أنقرة من التمدد.
ويرى سليمان في حديث لــDefacto أن المكاسب العسكرية لتركيا عام 2019 جاءت كأولى خسائر قرار الانسحاب العسكري الأميركي والذي تراجع عنه ترامب تحت ضغط البنتاغون والرأي العام والسياسي في الولايات المتحدة.
ظروف إقليمية ودولية تغيّرت
“الانسحاب الأميركي من سوريا لن يكون سريعاً كما يتوقع أردوغان”، يقول زكي حاجي لــDefacto، وهو محام وحقوقي من المركز السوري لحرية الإعلام والتعبير، إن ذلك بسبب تغيّر الظروف الدولية، فترامب الحالي ليس كما في السابق، خاصة مع الصراعات الجديدة في الشرق الأوسط.
ويتفق حاجي وسليمان، اللذين يعيشان الآن في القامشلى شمال شرقي سوريا وتجمعهما مأساة النزوح القسري عقب العملية العسكرية التركية عام 2019، على أن نظرة الغرب والولايات المتحدة للمنطقة تغيّرت بعد أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٣ والتصعيد بين إسرائيل وإيران بعدها، ما سيستدعي بقاءً أطول للقوات الأميركية لأن أي انسحاب لها سيعزز دور كل من روسيا وإيران.
وعلى الرغم من تقلبات شخصية ترامب وعدم ثبات تصريحاته، يعتقد الصحفي عبد الحليم سليمان، أنه في ولايته الجديدة سيكون أكثر حزماً في قراراته الاستراتيجية لتعزيز صورة الولايات المتحدة وحلفائها في مواجهة خصومها التقليديين مثل روسيا وإيران.
ويرى أن الخروج الأميركي من سوريا في ظل الأوضاع الحالية سيشكل خطراً على الجهود الأميركية-الإسرائيلية لاحتواء دور إيران وحلفائها، معتبراً أن الاستقرار في المناطق الكردية في شمالي سوريا وكردستان العراق أصبح جزءاً من حماية الأمن القومي الأميركي.
يضيف سليمان: “إيران ستملأ الفراغ فور أي انسحاب أميركي محتمل، ناهيك عن الفوضى وخطر عودة تنظيم داعش الذي ما يزال يشكّل خطراً عالمياً، وكذلك خسارة واشنطن موطئ قدم لها في سوريا، كل ذلك يجعل فكرة تعزيز الوجود الأميركي أمراً مرجحاً”.
ويرى زكي حاجي، أن ترامب خسر موقفه الأخلاقي بقرار الانسحاب عام ٢٠١٩، “ما أثار موجة غضب داخل الإدارة الأميركية، وصلت حدّ استقالة وزير الدفاع آنذاك جيمس ماتيس، واعتبر كثيرون القرار خيانة للكرد وإضراراً بمصداقية واشنطن”.
مصلحة أميركية وفوبيا تركية
ومنذ العام ٢٠١٦، نفّذ الجيش التركي عدة عمليات برية في سوريا، استهدفت بشكل أساسي مناطق تواجد الكرد، وأسفرت عن سيطرة تركيا ومجموعات المعارضة المسلحة المدعومة منها على عفرين عام ٢٠١٨ ورأس العين وتل أبيض عام ٢٠١٩.
يضيف حاجي: “تركيا تسعى لإعادة إحياء أمجاد العثمانيين بقيادة حزب العدالة والتنمية التي لديها فوبيا تجاه الكرد وتعتبرهم عدواً تاريخياً، مستغلةً علاقاتها القوية مع الولايات المتحدة وموقعها في الناتو لضرب أي وجود كردي”.
وتختلف رؤيتا تركيا والولايات المتحدة للقوات الكردية السورية حيث تعتبرها واشنطن شريكاً رئيسياً في حملة القضاء على تنظيم الدولة التي تقودها منذ عام ٢٠١٥، فيما تتعامل معها أنقرة على أنها امتداد لحزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا ودول غربية.
وتستند المخاوف الكردية إلى تجارب واقعية عاشوها عندما فقدوا منازلهم وأراضيهم عقب الهجوم التركي، ويأملون في ألا يقع ترامب مجدداً في الخطأ نفسه الذي قد يعيد إلى الواجهة شعورهم بالخيانة ويضرّ بالشراكة بين القوات الكردية والأميركية ضدّ تنظيم “داعش” ومصالح كل منهما.
يقول أحمد العيدان لــDefacto، وهو نازح من تل أبيض، إن سماعه بفوز ترامب أعاد لذهنه معاناته وعائلته حين فرارهم من منزلهم بسبب الهجوم التركي والقصف العنيف، “عاد لي ذلك الإحساس بالفقدان الذي شعرت به عندما تركت مدينتي وتركت كلّ شيء خلفي”.
ويعتقد العيدان، الذي يعيش الآن في منزل مستأجر في الرقة ويعمل في فرن يديره والده، أنه تم خداع ترامب ليسمح بالهجوم التركي الذي دفع سكان المنطقة للنزوح والتعرض لظروف قاسية.
يتحدث بأسى عن الوضع في مسقط رأسه، حيث أصبحت المحال التجارية والمنازل مقرات عسكرية للفصائل المسلحة الموالية لتركيا ومساكن لعناصرها، “مؤخراً، قاموا ببيع أراضٍ ومحال تعود ملكيتها لنازحين كرد. بالنسبة لنا، ممارسات هذه الفصائل لا تختلف عن تنظيم داعش”.
والحديث عن سلب الممتلكات ليس جديداً في المنطقة التي ادعت تركيا أنها “آمنة”، فقد وثقت الواقع والانتهاكات تقارير حقوقية دولية صدرت عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا ومنظمتي العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، التي أكدت أنماطاً ممنهجة لدى فصائل المعارضة السورية في الاستيلاء على ممتلكات العائلات الكردية.
ولا يزال الكرد يعوّلون على التزام واشنطن بالحد الأدنى من درء تهديدات تركيا التي تسعى لتقويض تجربة الإدارة الذاتية وإنهاء أي تمثيل للكرد عبر الهجمات ثم إضعاف تواجدهم عن طريق التهجير القسري والتغيير الديمغرافي.
وفي ظل التغيرات السياسية والعسكرية العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط، تبقى مصالح الدول المتدخلة في سوريا هي العنصر الحاسم لمواقفها، ومن بينها الولايات المتحدة الأميركية التي قد تكون عامل استقرار في شمال وشرق سوريا لحين إنهاء تدخل تركيا وإيران والتوصل لحل سياسي شامل في البلاد.
*هوكر العبدو، صحفي كردي من سوريا، بدأ العمل في المجال الإعلامي كصحفي نشط في عدة وكالات وصحف محلية ميدانيا وفي غرف الأخبار منذ أكثر من عشرة أعوام، حاليا يعمل مع وكالة أسوشيتد برس في شمال شرق سوريا.


